إحالة تحصيل رسوم الأراضي إلى وزارة المالية «1 من 2»

|


حينما أقرت الدولة نظام الرسوم على الأراضي البيضاء، كان هدفها الأول هو محاربة احتكار الأراضي داخل المدن والمحافظات، الذي بدوره سيؤدي إلى حل إحدى أكبر أزماتنا التنموية على الإطلاق؛ ممثلة في أزمة الإسكان التي أرّقت أغلب الأسر والأفراد في المجتمع. كما تسبب "احتكار الأراضي" فيما هو أبعد من افتعال أزمة الإسكان المحلية، إلى تكديس الأموال والثروات في أراض شاسعة المساحات، استقطعت في بعض المدن أعلى من 70 في المائة من إجمالي مساحتها، وتسببت في نشوء كثير من الأضرار الجسيمة على الاقتصاد والمجتمع، سآتي على ذكر أهمها بعد قليل.
يأتي هذا الحديث هنا بعد تصريح وزير الإسكان، مطلع الشهر الماضي، وتوقعه أن تبلغ العوائد السنوية للدولة من الرسوم على الأراضي البيضاء بين مليار إلى ملياري ريال سنويا فقط! إنها الحصيلة التي لا تكاد تذكر إطلاقا قياسا على مساحات الأراضي البيضاء في بلادنا، التي بلغ إجمالي مساحة الأراضي المخططة منها 20.3 مليار متر مربع "الأراضي السكنية 8.5 مليار متر مربع"، وبلغ إجمالي مساحة الأراضي غير المخططة 52.0 مليار متر مربع "الأراضي السكنية 19.1 مليار متر مربع"، وليصل المجموع إلى 72.3 مليار متر مربع "الأراضي السكنية 27.6 مليار متر مربع"، وفقا للكتاب الإحصائي السنوي لوزارة الشؤون البلدية والقروية.
كما تعد العوائد المتوقعة لمتحصلات الرسوم على الأراضي البيضاء، وفقا لتصريح وزير الإسكان، أدنى بكثير من مختلف بنود الإيرادات غير النفطية "ميزانية 2016"، ولنقارنها في حدها الأعلى "2.0 مليار ريال" ببعض البنود التالية: أدنى بنسبة 86.2 في المائة مقارنة بإيرادات الضرائب على الدخل والأرباح والمكاسب الرأسمالية "14.5 مليار ريال"، وأدنى بنسبة 73.3 في المائة مقارنة بإيرادات الغرامات والجزاءات والمصادرات "7.5 مليار ريال"، وأدنى بنسبة 74.7 في المائة مقارنة بإيرادات الضرائب على التأشيرات "7.9 مليار ريال"، وأدنى بنسبة 58.3 في المائة مقارنة بإيرادات حصة الحكومة من الاتصالات "4.8 مليار ريال"، وأدنى بنسبة 58.3 في المائة مقارنة بإيرادات رسوم التبغ "4.8 مليار ريال"، وأدنى بنسبة 85.7 في المائة مقارنة بإيرادات الزكاة "14.0 مليار ريال".
الصدمة الأكبر حين المقارنة بين المتحصلات التقديرية لرسوم الأراضي "مخططة، غير مخططة"، وتحديدا الأراضي السكنية فقط "27.6 مليار متر مربع" باستثناء الأنواع الأخرى من الأراضي. فحين يتم تقدير القيمة السوقية لتلك الأراضي، بموجب متوسط الأسعار الفعلية للأراضي في كل منطقة إدارية وفقا لوزارة العدل للعام الحالي، فإن إجمالي القيمة السوقية المقدرة لتلك المساحات الشاسعة من الأراضي سيصل إلى 13.3 تريليون ريال! والحديث هنا محصور على الأراضي السكنية فقط، وبناء عليه يمكن أن يكون تقدير إيرادات الرسوم على الأراضي البيضاء "2.5 في المائة من إجمالي القيمة السوقية للأراضي"، خلال السنة الأولى بنحو 332.4 مليار ريال، وهي الإيرادات التي لا يمكن مقارنتها بأي حال من الأحوال مع تقديرات وزير الإسكان، التي لا تتجاوز نسبتها، حسبما ذكر، 0.6 في المائة من الإيرادات المقدرة هنا، ولا حتى تتجاوز 1.8 في المائة منها مع افتراض تحصيل ثلث تلك الإيرادات الهائلة "110.8 مليار ريال".
فأي فرصة لتعزيز إيرادات الدولة غير النفطية تم تفويتها هنا؟ وأي فرصة تم تفويتها على المالية العامة كان تحقيقها فعليا سيريح الاقتصاد والمجتمع على حد سواء من الاضطرار إلى اللجوء لعديد من السياسات الاقتصادية والمالية الراهنة؟ وأي فرصة تم تفويتها هنا كان لها أن توفر التمويل الكامل وأكثر من ذلك لتمويل عجز الميزانية العامة، وتجاوزه إلى تعزيز الإيرادات الموجهة إلى صندوق الاستثمارات العامة؟ خاصة إذا تم احتساب إيرادات الرسوم على الأراضي البيضاء السكنية وغيرها من الأنواع "72.3 مليار متر مربع"، التي تعني إمكانية رفع إيرادات رسوم الأراضي البيضاء إلى أعلى من 950 مليار ريال خلال أول سنة مالية!
لأجل كل هذا؛ قد يكون مناسبا جدا لمجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، سرعة الاقتراح على مجلس الوزراء، باتخاذ قرار إحالة مسؤولية ومهام تحصيل تلك الرسوم على الأراضي البيضاء، إلى وزارة المالية لعديد من الاعتبارات المهمة جدا، تم إيضاح بعض منها أعلاه كدلالة على أهميتها القصوى للميزانية العامة ولتمويل العجز المالي، وتمويل احتياجات صندوق الاستثمارات العامة من الأموال والثروات، ولتخفيف الضغوط المالية على الاقتصاد الوطني والمجتمع، خاصة أن متحصلات الرسوم على الأراضي البيضاء ستفوق كثيرا الإيرادات غير النفطية بأكملها. وكونه يصب في صلب اختصاصات وزارة المالية، التي من أهمها "متابعة وتحصيل الإيرادات العامة، والعمل على تنميتها وتنويعها وتحسين وسائل التحصيل، ومتابعة تنفيذ السياسات والتشريعات المالية والنظم الضريبية المقرة. والإشراف المباشر على جميع أعمال مهام جباية زكاة بهيمة الأنعام ومهام لجان خرص الحبوب والثمار".
بناء عليه يمكن تحديدا إحالة هذه المهمة البالغة الحساسية إلى الهيئة العامة للزكاة والدخل، كجهة حكومية تابعة لوزارة المالية، وكونها الجهاز الأكثر أهلية مقارنة بأي جهاز حكومي آخر لتولي مهام التحصيل السنوي لإيرادات الرسوم على الأراضي البيضاء، شأنها شأن بقية الأوعية الزكوية والضريبية التي تضطلع الهيئة في خصوصها، بتحصيل الأموال الواجبة الدفع للدولة، وتسلمها من قبل كل الجهات والأفراد المستحق عليهم الدفع، وليس أهم في هذا الصدد من الرسوم على الأراضي البيضاء، لما ثبت أنها تشكل وزنا هائلا جدا بين كل بنود الإيرادات غير النفطية لميزانية الدولة، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية غير المواتية خلال الفترة الراهنة، وكونها مصدرا مهما جدا سيعزز كثيرا احتياجات الدولة ماليا، ودون أن يترك أعباء كبيرة على كاهل الاقتصاد والمجتمع، إلا على محتكري الأراضي البيضاء والمضاربين عليها.
في الوقت ذاته؛ يمكن أن تركز وزارة الإسكان جهودها وأعمالها على الهدف الرئيس من إنشائها وتأسيسها، المتمثل في توفير الحلول اللازمة لأزمة الإسكان، وهو الدور الذي بالكاد ستنجح في الوفاء به نظرا لقصر تجربتها وخبرتها من جانب، ومن جانب آخر لضخامة حجم أزمة الإسكان؛ علما أن النجاح المتوقع أن تظهره وزارة المالية "الهيئة العامة للزكاة والدخل" في زيادة متحصلات الرسوم على الأراضي البيضاء، سينعكس إيجابا بدرجة كبيرة على أداء وقدرة وزارة الإسكان، لسببين مهمين:
(1) إن زيادة متحصلات إيرادات الرسوم على الأراضي البيضاء، ستسهم في زيادة القدرة المالية العامة على مستوى زيادة تمويل احتياجات وزارة الإسكان بنسب مضاعفة، وهو ما تفتقر إليه وزارة الإسكان في الوقت الراهن.
(2) إن ارتفاع كفاءة تحصيل الرسوم على الأراضي البيضاء، سيسهم فعليا في ضرب احتكار الأراضي بيد قاسية جدا من حديد! ما سيتسبب بدوره في خفض الأسعار المتضخمة بشكل ملموس وحقيقي، الذي سينعكس في نهاية الأمر إيجابيا على جهود ومشروعات وزارة الإسكان، عبر خفض تكلفة التشييد والبناء والتطوير عليها وعلى شركائها من شركات التطوير العقاري حتى الممولين، إضافة إلى الاستفادة المتوقعة لكثير من شرائح المجتمع ذوي الدخل المتوسط فأعلى، الذين لن يضطروا إلى التقديم على وزارة الإسكان نظير انخفاض الأسعار، واستقرارها في مستويات عادلة ومناسبة لدخلهم وقدرتهم المالية. وللحديث بقية. والله ولي التوفيق.

إنشرها