المشراق

السعوديون الأوائل وعلاقتهم بأرض الأحلام «أمريكا» .. تغريبة ابن خليفة أشهر قصصها

تحدثنا في عدد سابق من صفحة "المشراق" قبل عامين تقريبا في مقالة بعنوان "سياحة الخوري إلياس الموصلي، أول سائح شرقي إلى أمريكا"، عن رحلة إلياس الكلداني الموصلي، الذي يعتبره الكثيرون أول عراقي يصل إلى أمريكا، بل اعتبره البعض أول شرقي يصل هناك، وكان ذلك عام 1676. واليوم حديثنا عن أول سعودي يصل إلى الولايات المتحدة.
محمد الرواف
يرى البعض أن عبد الله الخليفة هو أول سعودي يصل إلى الولايات المتحدة، ويرى آخرون أنه أول عقيلي وأول رجل من منطقة القصيم يصل إلى الولايات المتحدة. لكن الذي يترجح لي أن محمد الرواف قد سبقه للذهاب إلى الولايات المتحدة إذ إن الرحالة والضابط الإنجليزي شكسبير المقتول في معركة جراب عام 1333هــ يشير إلى أنه التقى عام 1332هــ/ 1914 بمحمد الرواف، ويذكر أن الرواف كان يتكلم الإنجليزية بلهجة أمريكية، ويفيدنا أنه قد اشتغل مسؤولا عن الجمال العربية في معرض أقامته مدينة شيكاغو قبل 15 عاما مضت، أي أن محمد الرواف كان في شيكاغو عام 1899، بينما وصل عبد الله الخليفة إلى نيويورك عام 1903. وربما يكون هناك من سبقهما في الوصول إلى الولايات المتحدة، ولكن المعلومات المتوافرة لدي الآن لا تؤيد هذا الاحتمال.
علي العساف
يذكر الباحث خالد الخويطر أن الشيخ علي العساف من أهل عيون الجواء هو ثاني رجل من العقيلات يصل إلى أمريكا، وأنه وصل إليها عام 1315هـ/ 1898، ذهب إليها للتجارة وتعويض خسارته، وكانت رحلته من القصيم إلى الشام ثم مصر، حيث أبحر من الإسكندرية إلى الأرجنتين ثم الولايات المتحدة، ومكث هناك بين 14 - 17 عاما، ثم عاد إلى مسقط رأسه عيون الجواء وتوفي فيها عام 1341هـ.
تغريبة ابن خليفة
قصة هذا الرجل من أشهر القصص التي يتداولها أبناء العقيلات وغيرهم، سمعتها من عدد من الرواة، وكتبها العمري وإبراهيم المسلم وغيرهما، وهي من القصص الواقعية الثابتة، وإن كانت بعض تفاصيلها الفرعية تختلف من راو لآخر. ولد عبد الله الخليفة العبد الله السعيدان ونشأ في مدينة بريدة أواخر القرن الـ 13 الهجري، وكان والده من العقيلات المقيمين في سورية للعمل والتجارة، لم ير والده إلا نادرا، لذلك كان يتطلع إلى سماع أخباره، كلما سمع بمجيء قوافل العقيلات إلى بريدة لاستقبالهم. وذات يوم كان أحد القادمين مع القافلة جارا لهم وصديقا لوالده هو أبو الفهد عبد الرحمن بن إبراهيم الرشود، فأخبره أن والده يبلغه السلام، وأنه متشوق لرؤيته.. منذ سمع عبد الله الخليفة هذه الكلمات والرغبة في الرحلة مع العقيلات تداعب مخيلته، كان في بداية شبابه، أخبر والدته برغبته فشجعته، ولم يأت خريف عام 1317هــ إلا وهو مع قوافل العقيلات متنقلا بين سورية وفلسطين ومصر. عمل في البداية أجيرا مع أحد زعماء العقيلات وهو عيسى الرميح، ثم لدى آخرين من زعماء العقيلات أمثال: محمد الرواف، وعبد الله الحليسي، وعلي الفايز، ثم اشتغل في تجارة الإبل مع علي المطلق، لكن تجارتهما باءت بالخسارة، ولحقت عبد الله الخليفة ديون كثيرة، وكان ملزما بسدادها. سافر في صيف عام 1321هـ إلى الإسكندرية في مصر، وعمل حمالا في الميناء، وخلال عمله هناك قابل مجموعة من البحارة السوريين، وكون صداقة معهم، فعرضوا عليه السفر معهم إلى الولايات المتحدة للبحث عن فرصة عمل أفضل وبعد موافقة قبطان السفينة رافقهم في تلك الرحلة التي استمرت شهرين حتى وصلت ميناء نيويورك، وبدأت رحلته مع العمل في نيويورك منذ اليوم الثاني لوصوله، فعمل في البداية في تحميل البضائع نظير أجر مقداره ثلاثة دولارات أسبوعيا.. أعجب مديره بحرصه على العمل، ودقته في المواعيد، ورغبة منه في مساعدته دله على تاجر ملابس، فتعرف عليه، وبدأ يعمل في تجارة الملابس واستمر في هذه التجارة عدة سنوات، تعلم خلالها اللغة الإنجليزية، وتعرف على المهاجرين العرب والمسلمين، وكانوا يقيمون شعائرهم الدينية داخل بيوتهم.
استطاع عبد الله الخليفة خلال سنواته الثماني التي أقامها في نيويورك أن يجمع ثروة لا بأس بها، وكان يرسل في البداية ما جمعه من مال إلى صديقه حمود المطلق ليقوم بتسديد ديونه حتى وفى دينه. عاوده الحنين إلى وطنه، واكتفى بما جمعه من مال، فودع أصدقاءه وأبحر عائدا إلى الشرق، وصل مصر عام 1329هـ وفي المطرية التقى بأحد أصدقائه وزعماء العقيلات وغيرهم، فوزان السابق، وصالح الحليسي، وجلوي الفهد الصقعبي، وحمود المطلق، وحكى لهم قصته في نيويورك، حاز إعجابهم لأمانته ووفائه وتفانيه في العمل. ومن القاهرة ذهب إلى السويس، ومنها ركب ناقته عائدا إلى مدينته بريدة، ورآها لأول مرة بعد أن غادرها قبل 13 عاما. وكانت تغريبته ورحلته حديث المجالس. كان رحالتنا الوفي قد اكتسب معرفة وخبرة في التجارة ففتح في بريدة محلا لبيع الأقمشة، فراجت تجارته واتسع رزقه، ومع اتساع تجارته قام بالسفر إلى الهند لاستيراد البضاعة من هناك، والتقى بأصدقائه من التجار الهنود الذين تعرف عليهم في نيويورك.
يقول إبراهيم المسلم عنه: "وعاد من الهند محملا بالبضائع وازدهرت تجارته، وفي شمالي مدينة بريدة اشترى أرضا أقام عليها مسكنا كان مقصدا لكل ضيف يفد من القرى المجاورة لشراء البضائع منه، وقد ساعدته هذه السمعة الطيبة التي اكتسبها بان أصبح وكيلا للكثير من التجار في الكويت والهند والمدينة المنورة ومكة المكرمة. وبهذه السمعة نال ثقة الحكومة السعودية، واعتمدته وكيلا عنها لتخزين مواد الوقود من البنزين والزيت للسيارات التي بدأت تنتشر، وهي في طريقها من الرياض إلى حائل أو إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، واستمرت هذه الوكالة حتى توفاه الله ولقد كان مثالا للرجل الكريم المكافح، استطاع بثقته وإيمانه بالله أن يحافظ على عاداته وتقاليده رغم الاختلاف الكبير، والمغريات في تلك البلاد، مغامرا بنفسه في سبيل وفائه لدينه".
هذه أبرز المعلومات التي يرويها أبناء العقيلات عن هذا الرجل، لكن الرحالة شكسبير الذي التقى بعبد الله الخليفة في مدينة بريدة عام 1332هــ/ 1914، وتحدث عنه في رحلته، يضيف لنا معلومات جديدة فقد لاحظ شكسبير أن عبد الله الخليفة يتحدث الإنجليزية بلهجة أمريكية، واستغرب من ذلك، واستفسر منه، فعرف أنه كان قد عاش في مدينة نيويورك، وعمل سائق سيارة أجرة لمدة ست سنوات قبل رجوعه إلى بريدة. وبهذه الإضافة من شكسبير يتبين لنا أن عبد الله الخليفة قد عمل سائق سيارة أجرة إضافة إلى عمله كبائع وتاجر أقمشة. وللفائدة فإن الضابط الإنجليزي شكسبير هذا هو أول من جاء بسيارة إلى جزيرة العرب.
جار الله العساف
ويذكر المؤرخ خالد الخويطر أن جار الله العساف من أهل الشماسية هو رابع رجل من العقيلات يصل إلى أمريكا. وأنه خرج من الشماسية عام 1291هـ فالتحق بعمه في بغداد وعمل هناك 30 عاما، ثم ذهب إلى الجزائر وأقام فيها عشر سنوات حتى أخرجه الاستعمار الفرنسي، ثم توجه إلى أمريكا فزادت ثروته هناك، وأقام هناك فترة طويلة، ويذكر الخويطر أنه سجن هناك لمدة 15 عاما، وبعد خروجه من السجن ومع بداية الحرب العالمية الثانية عام 1939 عاد مرة أخرى إلى القصيم ووصلها عام 1359هـ، وقد بلغ الثمانين من العمر، وضرب فيه المثل: "ولا غربة ابن عساف". ومات في الشماسية بعد وصوله بعدة أشهر.
المطلق والمرشود
ذكر المؤرخ إبراهيم المسلم أن حمود المطلق وعبد الرحمن المرشود، وهما من أهل القصيم ذهبا إلى أمريكا حاملين معهم عددا من الخيل إلى ولاية فرجينيا عام 1927.
خليل الرواف
أما خليل الرواق فرغم شهرة رحلته وغرابة أحداثها، إلا أنها متأخرة عن الفترة التي نتحدث عنها، إذ لم يصل إلى أمريكا إلا عام 1935، وهو أول سعودي يحصل على تأشيرة لدخول الولايات المتحدة، وبعد مكوثه فيها لفترة شارك في عدة أفلام في هوليوود.
الحاج علي
ونشرنا قبل عام ونيف مقالة في صفحة المشراق بعنوان "علي البدوي وقصة دخول الجمل العربي إلى أمريكا"، والحاج علي هذا وصل إلى أمريكا عام 1875هـ، وتوفي فيها عام 1902، ويرى بعض المهتمين بأخبار العقيلات كالمؤرخ إبراهيم المسلم أن عليا هذا من أهل القصيم، وسافر إلى سورية مع العقيلات وعمل في تجارة الإبل، ومنها انتقل إلى الولايات المتحدة، فإن صح أنه قصيمي وليس سورية، فلا شك أنه سابق على الرواف والعساف والخليفة.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من المشراق