قراءة في إعلانات المالية عن الميزانية

صلاح خاشقجي
انخفاض العجز المسجل للربع الأول عن المستوى المتوقع له في الميزانية التقديرية كان العنوان الأهم لإعلان وزارة المالية عن الميزانية الفعلية للربع الأول. ولكن في الوقت نفسه، استدرك وزير المالية محمد الجدعان هذه النتيجة بالقول إنه يتوقع تحقيق ما أعلن عنه في الميزانية التقديرية. هذا التطلع مشجع جدا للاقتصاد على مدى ما تبقى من العام. فالانخفاض في العجز كان نتيجة طبيعية لاستمرار الحكومة في ضبط المصروفات مع زيادة كبيرة في الإيرادات النفطية. بمعنى آخر، إن نتائج السياسة النفطية السعودية المتمثلة في اتفاق تخفيض الإنتاج جاءت بنتائج أفضل مما كان متوقعا. الإيرادات غير النفطية سجلت نموا ضئيلا بنحو 1 في المائة فقط، وهو أمر يحسب للحكومة. فعلى الرغم من التراجع في النشاط الاقتصادي للمملكة، تمكنت الحكومة من رفع إيرادات الضرائب بين 4 في المائة و 46 في المائة. إضافة إلى ذلك، فقد ارتفعت إيرادات الجمارك بشكل غير متوقع. فتقارير مؤسسة النقد العربي السعودي تشير إلى استمرار تراجع تمويل الاعتمادات. وكذلك نجد مستوى التضخم يسجل تراجعا للشهر الرابع على التوالي، الأمر الذي يدل على تراجع الاستهلاك بشكل عام. وليس أدل على ذلك من تراجع استهلاك الحكومة على الخدمات والسلع بنحو 22 في المائة. وكذلك لم يكن متوقعا تراجع الإيرادات الأخرى التي تأتي في معظمها من صندوق الاستثمارات العامة ومحفظة احتياطيات مؤسسة النقد. فالأخيرة تعتمد على عوائد أسعار الفائدة التي سجلت ارتفاعا مقارنة بالربع الأول من العام الماضي. على الجانب الآخر من معادلة الميزانية، نجد أن المصروفات ما زالت مربوطة إلى حد كبير، بل هناك تحسن في كفاءة الصرف. فأكثر البنود انخفاضا كان بند الدعم، في حين كان الانخفاض الأكثر تأثيرا في بندي الرواتب والاستهلاك الحكومي. هذا التراجع تم تعويضه بشكل محدود في العودة إلى الإنفاق الرأسمالي الذي سجل ارتفاعا طفيفا. ولكن بناء على إشارات وزير المالية، فإن لهذا البند عودة لتسجيل ارتفاعات ملحوظة في الأرباع الثلاثة المتبقية من العام الجاري. فما تم تسجيله من تراجع في العجز سيتم استغلاله في رفع الإنفاق الرأسمالي بعد التأكد من ضبط المصروفات. هذا التوجه المحمود سيعمل على إعادة الزخم لنمو الاقتصاد السعودي بشكل مختلف. فالطلب الحكومي سيقنن والمشاريع التي سيتم اعتمادها ستكون مشاريع منتجة. وبالتالي يكون عائد مضاعف الإنفاق الحكومي أعلى منه في السابق، الأمر الذي قد يؤدي إلى مستوى زخم النشاط الاقتصادي نفسه ولكن بميزانيات ومصروفات أقل حجما. وهو ما أعلن عنه وزير المالية في تعليقه على ميزانية عام 2018 التي بدأت وزارته بالإعداد لها. فقد أكد أن الميزانية ستكون توسعية ـــ لمجابهة التراجع في الاقتصاد ـــ ولكن ليس بشكل كبير. كما أن خطة التحول الوطني تتيح مجالا واسعا للاقتراض حتى بعد عودة الحكومة للاقتراض الخارجي مع بداية الربع الثاني. يبقى الإنجاز الأهم للوزارة في الإعلان نفسه والتبويب لبنود الميزانية، إضافة إلى توفير المعلومات للربع المقارن. فالمعلومات المتوافرة ستتيح للشارع الاقتصادي السعودي معرفة توجهات الإنفاق الحكومي واتخاذ القرارات بناء على معلومات وتحليلات أكثر دقة.
إنشرها