FINANCIAL TIMES

اقتصاديات الصيد البحري ترمي شباكها حول أسماك القد

ويل كلارك شعر بالإعجاب نحو البضائع الملقاة فوق سطح من الثلج - حيث لفت نظره الوميض الأخضر للحمها، وعيونها الداكنة الصافية ولون خياشيمها الملون بلون الدم الأحمر، الذي يعطي انطباعا بأن قلبها ربما لا يزال ينبض بالحياة.
يقول كلارك، المشتري منذ زمن طويل في سوق المأكولات البحرية في بيترهيد في اسكتلندا: "يا لها من سمكة جميلة".
الأسماك المعنية هي سمك القد الذي يعيش في بحر الشمال، وهو مخزون كان في الماضي مصدر الغذاء الرئيس للأساطيل والتجمعات، في أعلى وأسفل الساحل الشرقي لبريطانيا قبل أن يختفي قبل أكثر من عقد من الزمن.
ينبغي أن يكون مصير سمك القد في بحر الشمال مصدر فخر للاتحاد الأوروبي، الذي لعب دورا محوريا في إحيائه.
بدلا من ذلك، يمكن أن يصبح السمك قضية ساخنة رئيسة في موضوع مغادرة بريطانيا للاتحاد الأوروبي. جنبا إلى جنب مع جزء كبير مما بقي من صناعة الصيد المحلية، كلارك مصمم على أن بريطانيا ما بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي يجب أن تتمتع بثمار عملية إعادة إحياء سمك القد - حتى وإن كان ذلك يعني منع وصول صيادي الأسماك من أماكن أخرى من أوروبا.
ويضيف وهو يقف على رصيف حيث كان القارب الذي تأخر وصوله يقوم بتفريغ صناديق من سمك القد المثلج، الذي سيتم استخدام كثير منه لإعداد وجبات العشاء في كل أنحاء أوروبا خلال اليوم التالي: "نحن لا نرغب في أن يأتي الناس كيفما اتفق ليستولوا وينهبوا المخزونات لدينا التي تعبنا في إعادة إحيائها".
بفضل الجهود المتواصلة التي بذلها الاتحاد الأوروبي وصيادو السمك الاسكتلنديون، انتقل سمك القد في بحر الشمال من منطقة الخطر إلى مرحلة الوفرة النسبية. ومن المتوقع قريبا أن يعلن مجلس الإشراف البحري، وهو جماعة مستقلة للمحافظة، أن المخزونات مستدامة، ما يسمح للمطاعم بتقديمها دون الشعور بالذنب ووضع حد أقصى للعودة غير العادية.
جرت عملية إعادة الإحياء لسمك القد ضمن إطار الاتفاقيات الدولية التي عملت على تقسيم عمليات الصيد السنوية ما بين النرويج والاتحاد الأوروبي، مع تقسيم حصة الأخير مرة أخرى ما بين الدول الأعضاء البالغ عددها 28 دولة في المجموعة.
صيادو السمك من البريطانيين، من بين الأشخاص الأكثر تحمسا من أنصار مغادرة بريطانيا للاتحاد الأوروبي، ويطالبون بتمزيق تلك الاتفاقيات عندما تغادر المملكة المتحدة التكتل.
ولا يزال كثيرون منهم يذكرون بغضب أن إدوارد هيث من الناحية العملية سلَّم أسماكهم، عندما تفاوض رئيس الوزراء آنذاك بشأن انضمام المملكة المتحدة للجماعة الاقتصادية الأوروبية، سلف الاتحاد الأوروبي، في عام 1973.
يعتقد صيادو السمك الاسكتلنديون، على وجه الخصوص، أنه يحق لهم الآن الحصول على حصة أكبر بكثير من سمك القد الموجود في بحر الشمال، على أساس الجغرافيا والتضحيات التي قدموها لضمان ديمومة المخزون وإنقاذه.

سباق للحصول على المخزون
في المواجهة الأولية، يخشى البعض أن سمك القد يمكن أن يصبح الخاسر الأكبر لأن هنالك سباقا ما بين جميع الأطراف للحصول على أكبر كمية منه.
يتساءل أندرو تشارلز، مشتر آخر يقوم بتفتيش البضائع في بيترهيد: "هل يمكن أن نصل إلى مرحلة يكون فيها السمك متاحا للجميع، الأمر الذي سيكون بمثابة كارثة بالنسبة لصناعة صيد السمك وسيؤدي إلى التراجع عن جميع الأعمال الجيدة التي قمنا بها على مدى السنوات الـ 15 الماضية؟".
هنالك سابقة حدثت من قبل. قبل خمس سنوات، اندلعت حرب سمك السقمري بين المملكة المتحدة وجزر فارو وآيسلندا جراء الإفراط في عمليات الصيد. وبعد أن انتقلت المخزونات نحو الشمال - ربما بسبب ظاهرة الاحترار العالمي - قررت كل من جزر فارو وآيسلندا أنهما تستحقان صيد كميات من السمك أكبر مما كان متفقا عليه سابقا. رفض صيادو السمك البريطانيون التراجع.
يقول موجينس شو، مستشار مصائد الأسماك من الدنمارك، التي تتقاسم مخزون سمك القد في بحر الشمال كدولة عضو في الاتحاد الأوروبي: "لقد شهدنا ذلك الأمر مرات عديدة. طالما أنك لا توافق، سيتضرر المخزون. هنالك توجه لدخول سباق على الحصول على المخزون".
وكان المسؤولون الدنماركيون قد حذروا من قبل من أنهم سيعترضون على أي محاولة من قبل المملكة المتحدة لتقييد إمكانية الوصول إلى المنطقة التي تبعد مسافة 200 ميل عن الساحل البريطاني، مستشهدين باتفاقيات يعود تاريخ إبرامها إلى مئات السنوات.
كما أن البلدان الأخرى الأعضاء في الاتحاد الأوروبي المتاخمة لبحر الشمال - ألمانيا وفرنسا وهولندا وبلجيكا - تقف أيضا على المحك وبالمرصاد.
واستجابتهم ربما تقرر المرحلة التالية في حياة السمك الذي كان يمثل ذات مرة العنصر الأساس من النظام الغذائي البريطاني، الذي يطلق عليه برايس ستيوارت، عالم البيئة البحري في جامعة يورك، تعبير "المثال الأوضح على الإفراط في الصيد، والآن الانتعاش والإدارة الجيدة لمصائد الأسماك".
من المفترض أن تكون إدارة مورد مشترك من تخصص الاتحاد الأوروبي، لكن ثبت أن الأسماك قطاع صعب بشكل خاص. فالأسماك تسبح عابرة للحدود، وأحيانا تتغذى في بلد ما ويحدث التفريخ في بلد آخر. يقول كلارك: "الأسماك لا حدود لها".
يتكون مخزون بحر الشمال الحالي من عدد من الأنواع المتميزة. ويغلب على بعض الأنواع من السمك أن تكون "مقيمة" في المياه الساحلية، والبعض الآخر سيهاجر وينتقل لمئات من الكيلومترات. ربما يقضي السمك فصل الشتاء في بريطانيا وفي الصيف يفرخ بيضه في المياه الأكثر برودة في الدول الاسكندنافية.
في الوقت الذي كانت فيه عملية إعادة الإحياء مثيرة للإعجاب، يحذر علماء الأحياء من أنها لم تكتمل. فقد زادت الأعداد في شمال بحر الشمال، لكن ليس في الجنوب منه.
تشير البحوث إلى أن الأعداد ازدادت لأن الأسماك تعيش فترات أطول، لكن من المحبط أن تلك الأسماك التي بقيت على قيد الحياة لا يبدو حتى الآن أنها تتكاثر بأعداد كبيرة. وهذا الأمر قد يكون بكل بساطة مسألة وقت - أو نتيجة للتغييرات الدائمة في بيئاتها، مثل المياه الآخذة في الاحترار أو ندرة الطعام.
يقول نيك بايلي، مستشار مصائد الأسماك في مختبر اسكتلندا البحري المشرف على ميناء أبردين: "هذا أمر متغير جدا".

تزايد هائل في الأعداد
كان سمك القد جزءا من الاقتصاد الاسكتلندي على الأقل منذ أن وصل الرجال الاسكندنافيون في القرن التاسع. ويبدو أنها كانت مخصصة لعمليات الصيد التجاري.
وهي أسماك تنمو بسرعة - ولذلك تلقب باسم "بقر البحر" - ومن السهل اصطيادها. قبل اختراع الثلاجات الحديثة، كانت ميزة المحتوى قليل الدسم الذي تتسم به يجعلها مثالية للتمليح والتبادل التجاري.
بدأت نقطة التحول في تاريخ سمك القد الحديث في أوائل الستينيات من القرن الماضي، عندما شهدت مخزونات بحر الشمال عملية توسع عجيبة. في رسم بياني معروض في مكتب السيد بايلي، يظهر ذلك على شكل نقطة منتفخة. يقول: "كان هنالك في الواقع ازدياد ضخم في أعداد تلك الأسماك في ذلك الوقت. لا أحد في الواقع متأكد من السبب".
تزامن التزايد الانفجاري، وهو التعبير الذي أُطلق على التزايد في الأعداد، مع دخول بريطانيا الجماعة الاقتصادية الأوروبية وتطور سياسة مصائد الأسماك المشتركة في التكتل.
بعد إطلاقها في عام 1983، اكتسبت سياسة مصائد الأسماك المشتركة شكلا رسميا للحق في اصطياد السمك في مياه الاتحاد الأوروبي، واتفقت على توزيع الصيد السنوي بين الأساطيل في البلدان المختلفة.
كان ذلك تفاوضا فوضويا غير منظم مستندا إلى أنماط الصيد التاريخية. بالنسبة لسمك القد في بحر الشمال، حصلت النرويج على ما نسبته 17 في المائة والاتحاد الأوروبي على ما نسبته 83 في المائة. ومن ضمن النسبة الأخيرة، حصلت المملكة المتحدة على 47 في المائة.
عندما دخلت سياسة المصائد المشتركة حيز التنفيذ، كانت أعداد سمك القد في بحر الشمال آخذة في التراجع، وهو موقف تفاقم أكثر على مدى السنوات الـ 20 التالية عندما ساعدت الحكومات في تعويم أعداد أكبر من أي وقت مضى من السفن.
يشرح مايك بارك، صياد سمك سابق ويعمل الآن رئيسا لجمعية منتجي السمك الأبيض الاسكتلندي، قائلا: "أثناء فترة التزايد الهائل، قمنا ببناء أسطول لملاحقة ذلك المخزون. ومن ثم، عاد المخزون لكننا واصلنا العمل".
كما أنه يعلم بشكل مباشر بكل ما يتعلق بالتجاوزات الماضية في تلك الصناعة: مثل سائر الصيادين المحليين، اعتاد أن يتعامل بشكل منتظم مع السمك الأسود - أو غير المعلن. ولم تكن الاستدامة دائما الأولوية القصوى لديه. يفسر قائلا: "قمت ببناء قارب جديد في سن الـ 25. وكان لدي قرض ضخم. لقد فعلت ما كان ينبغي علي القيام به".
سمك القد في بحر الشمال معرض للخطر بصفة خاصة لأنه جزء من مجموعة مختلطة من سمك الصيد. لذلك فإن مراكب الصيد التي تستهدف السمك المفلطح أو سمك موسى ربما تكتسح سمك القد في طريقها، أيضا، ومن ثم تتخلص منه بكل بساطة.
ما يزيد الأمور سوءا هو أن رجال السياسة ربما يناقضون بشكل عادي العلماء ويقومون بتوسيع حصص الصيد في الاجتماع السنوي لوزراء الصيد في الاتحاد الأوروبي الذي يعقد في بروكسل في كل عام في شهر كانون الأول (ديسمبر).
بحلول مطلع هذا القرن، كان العلماء يدقون ناقوس الخطر، من أن مصائد سمك القد في بحر الشمال التي ولدت ما يصل إلى 450 مليون جنيه سنويا في أواخر السبعينيات، وفقا لجامعة ستراثكلايد، انخفضت أرباحها إلى ما يصل إلى 35 مليون جنيه في عام 2007. حجم المخزون التكاثري - السمك الكبير في السن بما يكفي ليتمكن من التكاثر - انخفض من 250 ألف طن في عام 1970 إلى 35700 طن على مدى الفترة نفسها. يقول بايلي: "في الفترة الممتدة من عام 2004 إلى عام 2006، وصلنا بالفعل إلى أدنى المستويات".
استجابت بروكسل من خلال اقتراح خطة إنعاش لسمك القد عملت على تشديد نظام الحصص وخفضت أعداد الأيام التي تستطيع أن تقضيها سفن الصيد في البحر.
كما ساعد الاتحاد الأوروبي أيضا في تصميم خطة إدارة مع النرويج عملت على تحديد درجة المرونة الممنوحة للسياسيين في التلاعب في نظام الحصص.
وعملت تلك التغييرات على تمهيد الطريق لإجراء إصلاحات أكبر حجما لسياسة الصيد المشتركة في عام 2013 التي تركز على الاستدامة. ينتصر العلم الآن على السياسة في الوقت الذي يجري فيه التخلص تدريجيا من الممارسات المؤذية، مثل التخلص من الأسماك غير المرغوبة والتي غالبا ما تكون صغيرة في السن.
يقول سكوت توريس، البالغ من العمر 30 عاما، ربان في بيترهيد: "هنالك المزيد من سمك القد الآن أكثر من أي وقت مضى. حرفيا، يمكنك أن تصطاد الكمية التي تريدها من سمك القد".

"ينبغي عليك أن تفتح الصندوق"
بدرجات متفاوتة، يعترف صيادو السمك الاسكتلنديون بمساهمة الاتحاد الأوروبي، لكن بشكل موحد، يعتقدون بأنه يجري تجاهل الجهود المبذولة من قبلهم. ويذكرون أن الصيادين المحليين هم الذين انتقلوا من جانبهم إلى أراضي تفريخ قريبة في بحر الشمال وقاموا بإدخال شبكات جديدة. كما أنهم يتحملون أيضا عبء البرامج الحكومية لتقليص حجم الأساطيل من خلال إيقاف تشغيل القوارب.
يقول كلارك، مشيرا إلى أنه يصادف دائما في شوارع بيترهيد رجالا لا يزالون يعانون بسبب تلك الأوقات العصيبة: "كان هنالك كثير من الألم خلال العقدين الأخيرين".
مع مسألة البريكزيت، صيادو الأسماك الاسكتلنديون مقتنعون بأنهم سيجنون الآن محصولا زرعوه من خلال سنوات من المشقة والتعب.
ويطالبون الآن بزيادة نسبتها 21 في المائة في حصة المملكة المتحدة في إجمالي حصص سمك القد في بحر الشمال – وهي نسبة يمكن أن تأتي على حساب الدنمارك وهولندا وفرنسا - جنبا إلى جنب مع الزيادات الكبيرة بالنسبة للأنواع الأخرى الكثيرة.
وقاموا بتمويل الدراسات العلمية لدعم مطالباتهم بأن معظم الأسماك تقع ضمن نطاق المنطقة الساحلية الحصرية لبريطانيا التي تبلغ مساحتها 200 ميل والمعترف بها من قبل الأمم المتحدة.
قال بارك: "هنالك مبرر لأن نقول للاتحاد الأوروبي: يمكنكم مواصلة الحصول على السمك من مياهنا، لكن يجب أن تكون هنالك مفاوضات للتفاهم على ذلك".
كما أنه يتصور أن تتخلى أساطيل الاتحاد الأوروبي تدريجيا عن المزيد من حصصها من سمك القد في بحر الشمال وغيره من الأسماك لبريطانيا، مقابل إمكانية الوصول إلى مناطق الصيد الخاصة بها: "هناك حقيقة لا خلاف عليها، فتلك الأسماك موجودة في مياهنا".
يعترف شو، المستشار الدنماركي، بأن المملكة المتحدة قد يحق لها إلى حد كبير الحصول على مزيد من الأسماك، لكنه يشعر بالقلق من أنه، إذا تم استثناؤها من المياه البريطانية، فإن القوارب الأخرى قد تحصل على سمك القد صغير السن في مياهها، ما يفرض مزيدا من الضغط على المخزون. تراجعت حرب الماكريل (سمك أسقمري) فقط بعد أن هدد الاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات تجارية على آيسلندا.
يتوقع البعض أن الاتحاد الأوروبي يمكنه الانتقام من المملكة المتحدة من خلال فرض حظر على "السكامبي" والمحار وغيرهما من المأكولات البحرية التي تصدرها إلى القارة. يقول: "إن هذا أمر خطير للغاية".
كما أن هنالك شعورا باليأس بسبب فكرة مفادها أن الحكومات يمكنها قريبا إعادة فتح اتفاقيات الصيد التي كان التفاوض بشأنها مؤلما جدا في المقام الأول - وتماما في الوقت الذي تبدو فيه سياسة الصيد المشترك، في نهاية المطاف، أنها تعمل بشكل جيد.
يقول ستيوارت: "إن الأمر يبدو وكأنه صندوق باندورا. لا أحد يرغب في فتحه، لكن، بالطبع مع وجود مسألة البريكست، يتعين علينا فتحه".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES