ثقافة وفنون

صناعة الثقافة .. سمو إنساني يبتذله التسويق الاجتماعي

يُجمع الباحثون أن نحت مفهوم "الصناعة الثقافية" يعود لمدرسة فرانكفورت في ألمانيا في بدايات القرن الماضي؛ مع هربرت ماركيوزه الفيلسوف الألماني- الأمريكي المعروف بعدائه الشديد للتقنية؛ فالتكنولوجيا من وجهة نظره تلعب دورا متعاظما في تنميط الإنسان، فهي تعمد إلى تحويل الأشياء إلى أدوات مروضة لاستغلاله.
جاء بعده زميلاه في نفس المدرسة النقدية؛ ونقصد هنا الفيلسوفان ماكس هوركهايمر وثيودور أدورنو للترويج للمفهوم بصيغة أكثر وضوحا، مع كتابهما "جدل التنوير: شذرات فلسفية" (1944)، وفيه أدرجا المفهوم في صياغة يفهم منها تعرض الثقافة الشعبية للخطر، وتحول هذه الثقافة إلى ما يشبه المصنع الذي ينتج سلعا ثقافية تهدف إلى التلاعب بالمجتمع.
تدريجيا أصبح مفهوم "الصناعة الثقافية" متحولا ومتغيرا، وقد قدّم فيه كثير من المفكرين والخبراء تحليلات كثيرة، من خلالها رصدوا أشكالا مستحدثة من هذه الصناعات التي توزع الخدمات الثقافية، وتنقل مختلف التعبيرات الثقافية بصرف النظر عن قيمتها التجارية.
حاليا تُعد الصناعات الثقافية والإبداعية من أسرع الصناعات نموا في العالم، وقد ثبُت أنها خيار إنمائي مستدام، يعتمد على مورد فريد ومتجدد هو الإبداع البشري. ويُقصد بمصطلح الإبداع قدرة الإنسان على وضع حلول وأفكار جديدة ومبتكرة نابعة من الخيال أو من مهارة الابتكار.
أدركت منظمة اليونسكو هذا الأمر حين وضعت الإمكانيات التي توفرها هذه الصناعات في صميم اتفاقية عام 2005، بشأن حماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي. وتدعم هذه الاتفاقية الآليات التي تشجع الابتكار، وتعزز نشوء صناعات ثقافية وإبداعية نشيطة من أجل تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة، بما في ذلك الآليات التي ترمي إلى تعزيز الإنتاج المحلي، وتطوير الأسواق المحلية، وتيسير الانتفاع بالمنابر المخصصة لأغراض التوزيع والتبادل في شتى أنحاء العالم.
كانت ثلة من الباحثين حتى وقت قريب تتداول جملة من الأسئلة من قبيل: هل تستطيع الصناعات الثقافية أن تواصل نموها ونضجها في عصر التحولات التقنية؟ وهل سيبقى لها من دور في هذه المرحلة؟ ثم هل تصلح الثقافة في مرحلة اقتصاد المعرفة أن تكون منتجا اقتصاديا وطنيا؟
يبدو أن واقع اليوم قد تجاوز إلى حد بعيد أسئلة الأمس، فالفوضى التي أحدثتها التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي، أزاغت الصناعة الثقافية عن أهدافها الإنسانية النبيلة وقيمها المثلى، حين أخضعتها قسرا وإكراها لمنطق السوق وضوابط التسليع وقواعد الاستهلاك.
وهكذا أضحت الصناعة الثقافية في غمرة هذه الهستيريا، تعمل وفق منطق ما يطلبه الجمهور، بتقديم منتجات سطحية فارغة من المعنى، تعمل مع مرور الوقت على خلق أنماط سلوكية موحدة. إذ تتبنى الحقيقة الموضوعة وتحوّلها لـ"حدث" و"خطاب" لا بد من المشاركة به والترويج له دون أدنى اعتبار لمضمونه ومحتواه، وكأنها تعيد إنسانية القرن الحادي والعشرين إلى زمن الأنظمة الأوليغارشية التقليدية.
لا تقف الصناعة الثقافيّة عند حدود الإنتاج، وذلك لأن تأثيرها في الفرد يتجاوز التلقي. فالفرد المتورط في منصات التواصل الاجتماعي الآن، لا يتبنّى فقط السلوكيات التي تترسّب إليه بل يتبنّى نماذج توليد المضمون الثقافي والفني بحسب خبرة تلقيه لهذه المنتجات، التي تعيد تشكيل منطقه وآلية تفكيره، باختصاره إنها تعيد برمجته تدريجيا كما تبرمج الآلة.
بناء عليه تكون معركة الصناعة الثقافية على ثلاثة واجهات؛ الأولى مرتبطة ببحث الأفراد على السعي الدؤوب نحو التبادل والاستهلاك الفردي المستمر، بعيدا عن القواعد التقليدية المعروفة في العمل أو المنتج الثقافي. فرأي النقاد والخبراء والمتخصصين في المنتوج الإبداعي آخر ما يطلب في زمن التغريد والنقرات والبهرجة والجمهور والإشهار والترويج.
في حين تتعلق الثانية بما سماه أرمان ماتلار المفكر الشيلي في كتابه المميز "التنوع الثقافي والعولمة"، بتدجين المتنوع المختلف؛ أي العمل على وضع حد للتنوع الثقافي. والعمل في المقابل على تكريس قوالب نمطية في الثقافة، التي يفترض؛ كما جاء في تعريف اليونسكو، أن تكون تعبيرا عن تنوع وغنى وثراء التجارب الإنسانية.
أما الجبهة الثالثة، فتخص المنتج "المنتج الثقافي" في حد ذاته، إذ يشترط فيه حتى يكون قابلا للاستهلاك أن يتسم بالخفة والتسطيح والسرعة والتبسيط، وما إلى ذلك من العناصر اللازمة حتى يضمن المنتوج التلقي الحسن والانتشار الأكبر بتداوله ومشاركته على أكبر نطاق.
تأتي الصناعة الثقافية ومنتجاتها كأسلوب يعكس نمط العلاقات الاستهلاكية المطلوبة، ما يعني أن الثقافة تحولت إلى تجليّات مادية (سلع) تتداول وتتلاشى بمجرّد استهلاكها، وقد لا نبالغ حين القول إن الموضوع يتجاوز الصناعة الثقافية لنجد أنفسنا في عالم لا متجانس سببه حالة ما بعد الحداثة، بوصفها قراءة جديدة للتاريخ والإنسان وطبيعة العلاقات الاجتماعية.
وقد لخص أحد الباحثين كل هذا بقوله "إن الصناعة الثقافية أصبحت أشد تغلغلا في تفاصيل الحياة، ما جعل الأفراد ذاتهم يتحولون إلى سلع، هم ليسوا السوق الآن، بل السلعة. المعلومات الشخصية لمشتركي منصّات التواصل الاجتماعي أصبحت تباع وتشترى ضمن خصائص وفئات معينة لتهم تعريضهم لأنواع محدّدة من الإعلانات. الفرد في دوامة الفصام هذه أصبح لحما وظيفيا، هو ماكينة تَستهلك وتُنتج وتُوزّع اقتصاديا".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون