المشراق

أبو شوشة الفرنسي.. دخل خلال حملة عسكرية ومنع بعد التزوير

عرفت الجزيرة العربية عدداً من العملات النقدية القديمة؛ كعملة «الطويلة» التي اشتهرت في منطقة الأحساء، وهي عبارة عن مشابك أو معاليق صغيرة لا يزيد طولها على ثلاثة سنتمترات، ورغم قلّة العملات المسكوكة من الذهب والفضة والمعادن الأخرى، إلاّ أن الريـال الفرنسي كان أوسعها انتشاراً في الجزيرة العربية. واستمر التعامل بهذا الريـال قائماً حتى أصدر الملك عبد العزيز ـــ رحمه الله ـــ أول نظام للنقد، عام 1928. واصطلح الناس على تسمية الريال النمساوي بهذا الاسم رغم أنه دولار وليس ريالاً، ومصدره النمسا، وليس فرنسا، وكانت الإمبراطورة النمساوية ماري تريزا (1717 ـــ 1780) هي من أمرت بسكه؛ إذ يحمل هذا الدولار اسمها وصورتها، وكان ذلك بعد أن اجتهدت هذه الإمبراطورة لتسوية الخلافات بين بلدها وفرنسا قبل الثورة الفرنسية.
ألفت كلارا سمبل كتابا عنوانه "أسطورة فضية: حكاية دولار ماريا تريزا"، يتحدث الكتاب عن تاريخ دولار ماريا تريزا، وهو المعروف عندنا باسم الريال الفرنسي، مع أنه كان يُسَكّ في النمسا. وقد دخل الريال الفرنسي إلى نجد مع حملة إبراهيم باشا ضد الدولة السعودية الأولى، التي انتهت بسقوط الدرعية. وكان الباشا كما في الكتاب السابق يدفع خمسة ريالات نمساوية لكل من يقتل نجديا من الأعداء ويقطع رأسه ويأتيه بأُذُنَيه.
تظهر صورة الإمبراطورة ماري تريزا على الدولار وقد جدلت ضفائرها وربطتها على الرأس، وبسبب هذه الرسمة اشتهر هذا الدولار عند الناس في نجد باسم "أبو شوشه" أو "الشوشي". وعلى الوجه الآخر تظهر شارة السلطة النمساوية المتمثلة بالتاج ونسر برأسين، ومن هنا أيضا جاءت الأسماء الأخرى للدولار مثل أبو ريش وأبو طير وأبو راسين. ومن أسمائه الأخرى "أبو نقطة" لأن دبوس التاج الذي تلبسه الإمبراطورة منقوش بتسع نقاط.
وكان المفترض أن تُسَك بعد وفاة الإمبراطور عملة جديدة باسم الإمبراطور الجديد، لكن الإمبراطور جوزيف الثاني رأى أن يبقى على عملة والدته الإمبراطورة. وظل الدولار النمساوي هو العملة السائدة في جزيرة العرب ومنطقة الشرق الأوسط مئتي عام، منذ نهاية القرن السابع عشر وحتى بداية القرن العشرين مع ظهور الدول العصرية في المنطقة، منافسا بذلك الدولار الإسباني والمجيدي العثماني. ولم يقتصر استخدام الدولار النمساوي على وظيفته كعملة نقدية بل استخدمه الصاغة في صناعة الحلي، فزينوا به مقابض الخناجر وصنعوا منه القلادات والعقود والأحزمة، ولأن الإمبراطورة التي تزين صورتها الدولار أنجبت 16 طفلا فقد لبسته النساء في الشرق كرمز للخصوبة واعتقادا منهن أنه يساعدهن على الحمل. ولبسه البعض اعتقادا منهم بالقوى السحرية للنسر ذي الرأسين. كما استخدموه كحرز لدرء العين لأن بريقه الباهر يصرف نظر الحسود إلى الريال بدلا من لابسه.
وتتقاطع حكاية الريال الفرنسي في بعض فصولها مع حكاية القهوة. حيث كان لاكتشاف القهوة التي بدأت زراعتها في اليمن مع بداية القرن السادس عشر دور مهم في تدفق الريال النمساوي إلى أسواق الجزيرة العربية.
يقال إن الأوروبيين تعرفوا على القهوة بعد أن خلفت القوات التركية أكياسا منها لما انسحبوا من حصارهم الفاشل لمدينة فينا عام 1683. بعد ذلك افتتن الأوروبيون بالقهوة وصاروا يستوردونها من مخا ويشترونها بكميات كبيرة، وانتشرت المقاهي في شوارع المدن الأوروبية.
وكثيرا ما اضطرت السلطات الأوروبية إلى إغلاق تلك المقاهي لمنع التجمعات التي كانت تدور فيها والتي كثيرا ما تنتهي بمظاهرات صاخبة ضد الدولة، ورأت السلطات في تلك المقاهي أوكارا لتدبير المؤامرات. وقد أراد شارل الثاني أن يغلق المقاهي في إنجلترا لأنها "مصدر للمشاغبات السياسية ومركز لتحريض الشعب ضد الحكومة ومنبع للحركات المخلة بالأمن".
أما في البلاد الإسلامية فقد احتج العلماء على المقاهي لأنهم رأوا فيها وسائل لهو تصرف الناس عن الصلاة والعبادة، إلا أن الصوفية، خصوصا أصحاب الطريقة الشاذلية التي أسسها أبو بكر بن عبد الله الشاذلي، أدمنوا شرب القهوة لأنهم رأوا أنها تساعدهم على السهر وتنشطهم للتهجد، ومن هنا سميت القهوة في نجد الشاذلية. جاء اكتشاف القهوة في نفس الفترة التي تم فيها اكتشاف الأمريكتين حيث كانت مناجمهما الغنية تمد أوروبا بكميات كبيرة من المعدن الثمين الذي استخدمته أوروبا لسك عملاتها النقدية من الذهب والفضة. وقد ساعدت تجارة التوابل المستوردة من الهند والجزر الشرقية على زيادة حجم التبادل التجاري بين آسيا وأوروبا، خصوصا بعد نشاط الرحلات الاستكشافات الجغرافية والنشاطات الاستعمارية والاستيطانية.

منع الريـال الفرنسي
نشرت جريدة "أم القرى" في العدد 720 الصادر يوم الجمعة 29 رجب 1357هـ الموافق 23 أيلول (سبتمبر) 1938م خبر منع التعامل بالريال الفرنسي، جاء فيه: "تلقينا من مقام النيابة السامي نص الأمر الآتي: بناء على كثرة ورود ريالات الفرنسي إلى البلاد بصورة غير معتادة وأن أكثرها مغشوشة وفضتها ناقصة، وبناء على أن التعامل بها مما يضعف ثروة البلاد والعباد، وأنها ضربة قاضية على الغني والفقير في الحال والاستقبال، وأن بقاء التعامل بها مما يوجب المضرة المحققة الملموسة للخلق والحكومة من كل النواحي، وزيادة على ذلك فإن الريال الفرنسي لا يعتبر عملة دولية يتعامل بها في سائر الحكومات ولا قيمة له من الوجهة الاعتبارية إلا ما حواه من الفضة المغشوشة، وذلك مما ينقصه عن ثلث قيمة التداول به وإن بقاء التعامل به لا يمكن أن تقبله الحكومة بعد ما ظهر من مضرته الكبيرة للبلاد والعباد، فقد قررت حكومة جلالة الملك منع إدخاله بتاتا إلى السعودية والتعامل به كعملة نقدية بين الأهالي".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من المشراق