المشراق

مشيخة الحرم النبوي .. منصب تداوله 42 عالما وعسكريا خلال 4 قرون

تعد مشيخة الحرم النبوي الشريف من أعلى المناصب الإدارية وكذلك العسكرية في بعض الفترات في المدينة المنورة خلال العصر العثماني، ولم تكن وظيفة شيخ الحرم النبوي الشريف ابتداعا من قبل الدولة العثمانية، بل إن الدولة العثمانية انتهجت النهج الذي سبقتها إليه الدولة المملوكية، خصوصا في اختيار شيوخ الحرم النبوي الشريف؛ فيذكر أن الدولة المملوكية خصت الأغوات بشغل هذا المنصب في فترة حكمها على المدينة المنورة، وهذا ما سارت عليه الدولة العثمانية في بادئ الأمر؛ فقد خصت أغوات السلاطين بمشيخة الحرم النبوي الشريف، ثم اشترطت بعد ذلك أن يكون شاغلو وظيفة شيخ الحرم النبوي الشريف من العسكريين الحاصلين على رتبة مشير أو رتبة فريق أو من الوزراء، واشترطت أن يكونوا من المعينين الذين سبق لهم العمل في مشيخة الإسلام، وكذلك في القضاء على أن يكونوا متقني اللغة العربية، ولم تشترط الدولة العثمانية لشاغلي وظيفة شيخ الحرم النبوي مدة معينة، بل ذلك يرتبط بكفاءتهم وقدرتهم على ضبط الأمور وتيسيرها.
وجاء في المخاطبات العثمانية ما يدل على مكانة شيخ الحرم النبوي الرفيعة، إذ يخاطب بلفظ سيادتكم وصاحب العطوفة، كما أن الكسوة المرسلة إلى شيخ الحرم النبوي الشريف تماثل كسوة أمير مكة المكرمة، وكذلك كسوة والي جدة وكذلك كسوة محافظ المدينة المنورة، كما أن تعيين شيخ الحرم النبوي الشريف لا يتم إلا من قبل السلطان العثماني وكذلك عزله، ومما يدل على المكانة المرموقة لشيخ الحرم النبوي الشريف إمكانية مخاطبته للسلطان العثماني مباشرة، ومما زاد من مكانة شيخ الحرم النبوي الشريف أنه يعد الممثل الوحيد للسلطان العثماني في خدمة الحرم النبوي الشريف، ومما يدل على مكانته أنه يكون في مقدمة مستقبلي كبار الوفود والأعيان القادمين إلى المدينة المنورة.
وقد بلغ راتب شيخ الحرم النبوي الشريف عام 1268هـ 30 ألف قرش إضافة إلى الهبات النقدية والعينية المقررة له.
وقد حظيت مشيخة الحرم النبوي الشريف في فترات مختلفة بالجمع بين وظيفة شيخ الحرم النبوي الشريف ومحافظ المدينة المنورة، ما عزز من مكانته وزاد من صلاحياته السياسية والإدارية والعسكرية.
وتكمن أهمية وظيفة شيخ الحرم النبوي الشريف في الإشراف العام على جميع شؤون المسجد النبوي بما فيها الإشراف على جميع موظفي المسجد النبوي، كما يحق له إجراء الترميمات وأعمال الصيانة والإصلاحات اليسيرة للحرم النبوي الشريف، وكذلك الإشراف العام على جميع أوقاف الحرم النبوي الشريف الداخلية والخارجية فيتبع المشيخة إداريا مديرية الحرم النبوي وخزانة الحرم النبوي وأوقاف الحرم النبوي. ومن المهام الموكلة إلى شيخ الحرم النبوي الشريف مهمة الإشراف على توزيع الصرة العثمانية المخصصة لأهالي المدينة المنورة مع قاضي المدينة المنورة وناظر أوقاف الحرمين الشريفين ومفتش أوقاف الحرمين؛ فلا يتم توزيعها إلا بمعرفته وتصديقه على ذلك، واستمر شيخ الحرم النبوي الشريف على هذه الحال حتى استحدث منصب مدير الحرم النبوي التابع لمشيخة الحرم النبوي عام 1252هـ، حيث استبدل شيخ الحرم النبوي الشريف بمدير الحرم النبوي، إضافة إلى قاضي المدينة المنورة وناظر أوقاف الحرمين ومفتش أوقاف الحرمين.
وجعل لمشيخة الحرم النبوي الشريف مقرا محاذا للمسجد النبوي من ناحية الشرق، كما خصصت لشيخ الحرم النبوي الشريف في تلك الناحية دار له، كما توجد دكة داخل الحرم النبوي الشريف تسمى بدكة شيخ الحرم، ومما يلفت النظر وجود محراب داخل المسجد النبوي خاصا بصلاة شيخ الحرم النبوي الشريف ولا سيما صلاة التراويح يقع في الطرف الجنوبي من الرواق الشرقي بجوار مدخل باب النساء، وقد جدده السلطان عبد المجيد في العمارة المجيدية للمسجد النبوي عام 1272هـ.
وقد تم تعيين عدد كبير من الموظفين لشغل هذا المنصب الإداري المهم فقد زاد عدد شاغلي وظيفة الحرم النبوي الشريف عن 40 شيخا منذ عام 923 هـ وهي بداية سيطرة الدولة العثمانية على الحجاز إلى عام 1195هـ، كما شغل المنصب خلال القرن الرابع عشر للهجرة من عام 1301هـ إلى نهاية الحكم العثماني على المدينة المنورة عام 1337هـ شيخان فقط هما عادل باشا من بداية القرن الرابع عشر إلى عام 1318هـ ثم عثمان فريد باشا من عام 1318هـ إلى نهاية الحكم العثماني في المدينة المنورة. ومن خلال مطالعة دفاتر الصرة العثمانية المرسلة للمدينة المنورة يتبين لنا عدد كبير من شاغلي وظيفة الحرم النبوي الشريف منهم علي آغا، وقد عمل شيخا للحرم النبوي عام 1081هـ ثم عبد الحليم آغا عامي 1082 و1083هـ وداود آغا من عام 1085هـ إلى عام 1101هـ ويوسف آغا من عام 1102 هـ إلى عام 1105هـ وأبو بكر آغا عامي 1106 و1107هـ وأحمد آغا من عام 1113هـ إلى عام 1116هـ وأيوب آغا من عام 1119هـ إلى عام 1122هـ وإسماعيل آغا عامي 1123 و1124هـ وعثمان آغا 1125هـ وبشير آغا عامي 1126 و1127هـ وأيوب آغا من عام 1130هـ إلى عام 1134هـ، وممن شغل هذا المنصب أيضا عبد الرحمن آغا من عام 1160هـ إلى عام 1167هـ وقاسم آغا من عام 1234هـ إلى عام 1236هـ ومحمد عنبر من عام 1238هـ إلى عام 1240هـ وحافظ عيسى من عام 1242هـ إلى عام 1250هـ.
كما كان يقوم في بعض الفترات قائم مقام شيخ الحرم النبوي عن شيخ الحرم أثناء توزيع الصرة العثمانية لأهالي المدينة المنورة مثل ما حدث عام 1237هـ، حيث قام علي أفندي قائم مقام شيخ الحرم بالمصادقة على توزيع الصرة. وقد سجل اسم محمد رائف مدير الحرم النبوي بدلا من شيخ الحرم الشريف في دفتر الصرة لعام 1252هـ، وأصبح من بعد ذلك التاريخ مدير الحرم يقوم بهذه المهمة خلفا لشيخ الحرم النبوي مع بقاء تبعية مديرية الحرم لمشيخة الحرم النبوي الشريف.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من المشراق