هل نحن أميون ماليا؟

|

عاش آباؤنا وأجدادنا في أزمان مختلفة كليا، من ناحية مالية واقتصادية، ولم تتدخل عوامل الاتصالات والمواصلات في تلك الأزمان بقدر ما هي داخل حياتنا اليوم. إن حياتنا اليوم اجتماعيا واقتصاديا هي نتيجة لقرارات عديدة مالية، لكنها ليست كلها بالتأكيد مبنية على الشكل الصحيح ماليا واقتصاديا.
تدرس الإدارة المالية في الجامعات في المملكة والعالم العربي في كليات الاقتصاد وما شابهها من مؤسسات تعليمية تابعة للقطاع الخاص أو العام، ولا سيما في عالم اليوم، أصبحت الإدارة المالية على المستوى الشخصي أمرا أساسا، يهمنا، وهي أمية يجب القضاء عليها.
كثير من الإشكاليات والأزمات المالية لدى الأسر سببها خطأ في الإدارة المالية، أو قرار جاء في وقت غير مناسب، أو التزام، تم إبرامه فوق قدرات ودخل الشخص، أو دون اعتبار للعوامل الاقتصادية الأخرى، وأحيانا كثيرة، نصرف كثيرا من الأموال دون طرح السؤال المهم: هل أنا فعلا في حاجة إلى هذا الشيء؟ وهل نستطيع إكمال حياتنا أو دورنا دون الحصول على هذا الشيء؟ وإلى أي مدى هذا الغرض يعد أمرا أساسيا لا استغناء عنه؟ وما البدائل المتاحة بتكلفة أقل؟ وهل يمكن الحصول على بعض المنتج أو الخدمة دون التكلفة الكاملة؟
لا شك أن الإدارة المالية، هي رحلة تعلم مستمرة، وهي نمط حياة نتفاعل ونتكيف معه وبه مع محيطنا الخارجي، الذي أصبح يوما بعد يوم في توجه رأسمالي متضخم نحو تحويل أي شيء وكل شيء إلى سلعة، حتى وإن كان ذلك قد يضر أو المنتج ليس مضمونا وهكذا، ونجد هناك من يروج لسلع كثيرة على وسائل التواصل الاجتماعي، ويتفانى في الدعاية والإعلان مستغلا متابعة الشباب، ودون التنويه أو التنبيه إلى أن مثل ما يقدمه عبارة عن دعاية مدفوعة له، ويتسارع الشباب بعد ذلك الإعلان لشراء سلع أحيانا قد لا تكون مصرحة بل قد تضر بالصحة، مع غياب مقاضاة أمثال هؤلاء.
اجتماعيا كذلك يتزايد عدد وأنواع الاحتفاليات الاستهلاكية التي تحتم على كل الأطراف تكاليف مادية غير مبررة ولا سيما لدى السيدات والشباب من الجنسين، وتصبح روح الاحتفال هي محاولة الصرف أو البذخ غير الطبيعي وغير المعقول في أحيان كثيرة. وتساعد وسائل التواصل الاجتماعي وتصوير مثل تلك المبالغات على تأجيج الشعور الاستهلاكي والرغبة في البذخ، الذي في أحيان كثيرة يفصل العائلة عن واقعها المادي.
من القرارات المالية المهمة كذلك ما يتعلق بقرارات الحصول على القروض، حيث يؤثر ذلك القرار في حياة الفرد في المتوسط مدة خمس سنوات مقبلة، ولذا من المهم قبل الحصول على القرض طرح عدد من الأسئلة، ومحاولة دراسة حالة القروض ومستقبلك الوظيفي ومدى إمكاناتك لسداد هذا القرض، وكذلك تأثير نسبة الاقتطاع في حياتك، واختلاف نسب الفوائد وغيرها، ومن ناحية أخرى عن أسباب القرض وأهميته بالنسبة للفرد، وما إذا كان يمكن تفاديه قدر الإمكان.
نتحول مع الوقت إلى مجتمعات استهلاكية بشكل مخيف جدا، ومن الإحصائيات والمؤشرات التي تشير إلى وجود خلل في نمط الاستهلاك هي كمية المخلفات التي تنتجها مدننا، ناهيك عن الضرر البيئي كذلك في ظل التأخر في طريقة التعامل مع المخلفات من قبل البلديات وعدم استغلال ذلك اقتصاديا بشكل مستدام ومفيد للبيئة والاقتصاد. ولكن عودة على سلوكياتنا في المخلفات، يذكر عبد الوهاب المسيري في قصة حياته حول كيف كانت والدته - رحمها الله - تستفيد من كل شيء، حيث يصبح المنزل في الريف لا ينتج مخلفات تقريبا. نحن في المجتمع في المملكة كذلك لسنا غريبين على التدبير والتفكير في البيئة من ناحية المخلفات، ناهيك عن طرق استهلاكنا التي تحتاج إلى وعي، برزت دوليا مبادرات حول منازل لا تنتج مخلفات وتستفيد من كل شيء في المنزل.
ختاما، هناك فجوة في بعض الأسر بين ما يقوم به أرباب الأسرة من مجهود لتوفير حياة كريمة، وبين متطلبات الأبناء غير الواقعية ماليا بسبب وسائل التواصل الاجتماعي أو الانفصال عن واقع الأسرة المالي. ولردم تلك الفجوة يجب على أرباب الأسر تشجيع الأبناء منذ سن صغيرة على العمل والتدريب. إن تدريب الشباب والشابات على العمل في سن صغيرة يجعل منهم قادرين على التفكير في قيمة العمل والمال والحياة، وفوق ذلك تقدير ما يقوم به الأب والأم تجاه أبنائهم من تضحيات.

إنشرها