المواءمة بين تحفيز الاقتصاد والترشيد المالي

|
نظرا للدور الكبير الذي يضطلع به الإنفاق الحكومي في اقتصادنا الوطني (شكل 39 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي خلال 2016)، وما يمثله بذلك الوزن النسبي المهم جدا كأكبر رافد للنمو والاستقرار الاقتصادي خلال المرحلة الراهنة، فلا شك أن أي انكماش في الإنفاق الحكومي سينعكس سلبا على أداء الاقتصاد الوطني، وهي العلاقة التي تستهدف برامج التحول الهيكلي الراهنة والمخططة، العمل على تقليص نسبتها لمعدلات أدنى بكثير مما هي عليه، تمهيدا للقطاع الخاص أن يقوم بهذا الدور، وأن تتحول العلاقة إلى العكس في منظور العقد القادم، ليصبح نشاط الاقتصاد الوطني الداعم والممول الأكبر للإنفاق الحكومي، عبر تمويل الإيرادات الأخرى غير النفطية للميزانية الحكومية، وتخفيف الاعتماد على الإيرادات النفطية التي كانت تشكل في ذروة أسعار النفط 90 في المائة فأعلى من إجمالي الإيرادات، تنخفض إلى ما بين 75 و 80 في المائة حال انخفاضها، ما يتسبب في الضغط على الميزانية الحكومية، ومن ثم الضغط على الاقتصاد الوطني. بالنظر إلى هذه العلاقة المستهدف عكسها تماما "وهو الهدف المشروع والمأمول تحقيقه"، وما يعترض طريق هدفه المأمول من معوقات وتحديات في الأجلين القصير والمتوسط، كضرورة ترشيد الإنفاق الحكومي وضبطه لتقليص العجز المالي في الميزانية، وهو أيضا الهدف المشروع والمطلوب، وهو ما قد تجد إدارة السياسة المالية نفسها أمام خيارات متعارضة تماما، فإما أن تعمل على تحقيق هدفها المالي ممثلا في خفض العجز المالي في الميزانية، بالاعتماد على تخفيض الإنفاق الحكومي كخطوة أولى، أو العمل في خطوة ثانية على زيادة الإيرادات الأخرى غير النفطية، وهو الخيار الذي قد ينعكس سلبا دون أدنى شك على الأداء الاقتصادي المحلي، في ظل الأوضاع القائمة المشار إليها أعلاه، من زيادة اعتماد الاقتصاد على الإنفاق الحكومي. وهنا ستأتي النتيجة إيجابية بالنسبة للميزانية الحكومية، لنجاحها في خفض العجز المالي كما حدث فعلا خلال العام الماضي والفترة الماضية من العام الجاري. لكن في المقابل سيتأثر النمو الاقتصادي، وهو ما حدث فعلا بتراجع النمو الحقيقي للاقتصاد الوطني من 4.1 في المائة بنهاية 2015، إلى ما دون 1.4 في المائة بنهاية 2016، وانخفاض النمو الحقيقي للقطاع الخاص للفترة من 3.4 في المائة إلى نحو 0.2 في المائة. لا شك أن المفاضلة بين تلك الخيارات تعد واحد من أصعب الجهود والبرامج على الإطلاق، خاصة في ظل الظروف الراهنة بالنسبة لاقتصادنا الوطني، التي تتجاوز كثيرا مجرد التكيف مع انخفاض أسعار النفط والآثار غير المواتية التي خلفها ذلك الانخفاض، لتتصل بطموحات عالية جدا تستهدف إصلاح الاقتصاد الوطني بأكمله، وتخليصه من كثير من التشوهات والمعوقات التي أخرت كثيرا تقدمه على طريق تنويع قاعدته الإنتاجية المحلية، وتوسيع خيارات استفادته القصوى من الفرص الهائلة التي يتمتع بها سواء على مستوى موارده المالية الضخمة أو على مستوى موارده البشرية الوطنية، وتوظيف تلك الإمكانات والموارد باتجاهات تخدم الاقتصاد الوطني والمجتمع على حد سواء، سيكون من أهم نتائجها أو ثمارها تحول الاقتصاد الوطني إلى أهم وأكبر ممول للإيرادات الحكومية، ومن ثم الإنفاق الحكومي الذي سيصبح متاحا له ضخ أموال أكبر في الجانب الرأسمالي المتعلق بتحسين وتطوير البنى التحتية، ستؤول نتائجها الإيجابية في الأجل الطويل لمصلحة الاقتصاد والقطاع الخاص تحديدا، بتوفيرها البيئة الاستثمارية المتقدمة المساندة لمنشآته وكياناته، في الوقت ذاته تقدم له المحفزات اللازمة لأجل توسيع نشاطاته وزيادة ضخ الأموال في القنوات الاستثمارية المحلية، لتعزز وتنوع القاعدة الإنتاجية المحلية من جانب، ومن جانب آخر تزيد من فرص العمل الكريمة والمجدية أمام الباحثين والباحثات عن العمل من المواطنين والمواطنات، التي بدورها سترفع من مستوى دخل الأفراد والمجتمع، وتسهم في تحسين مستويات المعيشة، وتوسيع الخيارات الحياتية للأفراد. قد تجد إدارة السياسة المالية أنه من المناسب جدا في ظل الظروف الراهنة "كونها في الوقت الراهن السياسة الأقوى والأكثر تأثيرا في الاقتصاد، مقارنة ببقية السياسات الاقتصادية"، أؤكد أنه قد يكون مناسبا العمل على تحقيق التوازن بين الأهداف القصيرة الأجل والمتوسطة (التوازن المالي) من جانب، ومن جانب آخر الأهداف طويلة الأجل (النمو والاستقرار الاقتصادي)، دون أن تغلب جانبا على آخر، ودون أن يخل تحقيق أهداف على حساب أهداف أخرى! لعل من أهم أوجه تطبيق هذه السياسة المتوازنة، أن تعمل على وضع النمو الاقتصادي ضمن أهم أهدافها حتى وإن انعكس سلبا على ميزانها المالي بالعجز، في الوقت ذاته تقوم بتمويل ذلك العجز المالي من الأسواق الخارجية كما تقوم به الآن في المرحلة الراهنة، وتخفيف الاعتماد قدر الإمكان على الائتمان المصرفي المحلي، تجنبا لمزاحمة القطاع الخاص على السيولة المحلية المتوافرة، بما يمكن إدارة السياسة المالية عبر السنوات القليلة المقبلة من تمويل إيراداتها غير النفطية من فوائض الإنتاج المحلي، الذي سيكون مصدره الأول والأكبر منشآت القطاع الخاص نظير التحفيزات التي حظيت بها سابقا، وبما يمكنها، بمشيئة الله تعالى، من الوفاء بالتزاماتها تجاه ممولي العجز المالي (الدين الحكومي)، وبالطبع فهذه سياسات يفترض ألا يتجاوز العمل بها أكثر من خمسة أعوام. تستمد أهمية الاعتماد على هذه السياسة المالية من كثير من الاعتبارات، لعل من أبرزها تجنيب الاقتصاد الوطني سلبيات انكماشه وتقلص وظائفه، وفي الوقت ذاته توفيرها مناخا استثماريا محليا جاذبا، سيسهم من جانب في نجاح مشاريع التخصيص وإضفاء كثير من الربحية عليها، ومن جانب آخر سيسهم في زيادة تدفقات الاستثمار على المشاريع المحلية وتوسيعها. مؤكدا في الختام؛ أنه لا يمكن الوصول إلى أي هدف دون تحمل تكلفة ومخاطرة معينة، فليكن الهدف هنا النمو الاقتصادي والتكلفة على عاتق الميزانية لفترة لن تتجاوز نصف عقد من الزمن. والله ولي التوفيق.
إنشرها