هل سيقوض النمو الاقتصادي أسس الحضارة الغربية؟

ليون برخو

قد لا نبعد عن الحقيقة إن قلنا إن العالم برمته منبهر بالحضارة الغربية. إن أردت أن تقيس مدنية وتطور ونمو وازدهار بلد أو مجتمع ما، فما عليك إلا مقارنته بالمعايير المتداولة لدى الدول والشعوب التي تمثل هذه الحضارة. والمعايير كثيرة وهي تختلف من دراسة إلى أخرى ومن مكان إلى آخر. ومن الناس من ينبهر بعلمانية الغرب، حيث النظرة المتساوية للأفكار والميول والأديان والمذاهب. ومن الناس من ينبهر بأسلوب تداول السلطة والانتخابات وفصل السلطات. ومن الناس من يرى أن الغرب هو المكان الذي تتحقق فيه المساواة في شتى صورها بغض النظر عن اللون والدين والمذهب والعرق والميول. ومما قد يراه الناس أكثر انبهارا ما يتعلق بمسألة حقوق الإنسان، حيث تقدم الحضارة الغربية نفسها حامية للحقوق الإنسانية الأساسية ليس في أراضيها وحسب بل في أرجاء المعمورة. والقائمة قد تطول بيد أن قليلا من الناس يعتقد أن الحضارة الغربية ليست مبنية على هذا وذاك من المعايير التي في ذهننا التي تجعلنا نقف مشدوهين ومنبهرين.
الحضارة الغربية مبينة على النمو الاقتصادي أولا وآخرا. النمو هو الذي يحفظ لها الرخاء، والرخاء يمنحها الأدوات اللازمة كي تحافظ على الأسس التي قامت عليها.
يشبه بنجامين فريدمان، عالم الاقتصاد السياسي الشهير، الحضارة الغربية بالدراجة الهوائية، ويشبّه النمو الاقتصادي بعجلات هذه الدراجة. بطء حركة العجلات سيؤخر الدراجة من الوصول إلى الهدف، وتوقف العجلات أو عطبها سيؤدي ليس فقط إلى إعاقة النمو بل انحباسه وانقطاعه.
ويحذر فريدمان من أي تباطؤ في النمو الاقتصادي في الغرب ويقول إن تبعات توقفه أو دوران عجلاته عكس سيرها، صوب الانكماش الاقتصادي، ستكون له عواقب كارثية على الحضارة الغربية.
الحضارة الغربية برمتها ليست مبنية على حقوق الإنسان أو العدالة الاجتماعية أو العلمانية أو الحرية والديمقراطية. الحضارة هذه أساسها النمو الاقتصادي. ويقول فريدمان كل ما يبهر الناس حول الحضارة الغربية من حقوق الإنسان والديمقراطية ونظم الحكم وتبادل السلطة سلميا وغيرها من الأمور التي نستخدمها اليوم معيارا لقياس تقدم الأمم ستذهب أدراج الرياح في غياب النمو الاقتصادي.
وإن حدث وصارت معدلات النمو أدنى من المتوقع أو توقفت عجلاته عن الدوران ـــ أي أن تراكم الثروة لم يعد بمقدوره تلبية متطلبات مجتمع تعود على الرخاء والترف والبحبوحة ـــ تنهار الديمقراطيات الغربية مع الحضارة التي بنتها.
التاريخ يعلمنا أن الحضارات، شأنها شأن الكائنات الحية الأخرى، تولد وتنمو وتزدهر ومن ثم تضمحل وتزول، والحضارة الغربية لا بد أن تأتي إلى نهايتها.
بيد أن ما يميز هذه الحضارة هي الأسس التي قامت عليها التي إلى زمن ليس بقصير تصور كثير منا أنها من المتانة بمكان إلى درجة مقاومة حتى عاديات الزمن لأنها تتكئ على العلم والمعرفة والعقل.
والميزة الأخرى، أن هذه الحضارة تستند إلى التنبؤ أو التكهن بما يمكن أن يحدث مستقبلا وتقدم سيناريوهات وحلولا للمشكلات المتوقعة.
هاتان الميزتان جعلتا من منتسبي الحضارة الغربية في أعين الآخرين أشبه بمخلوقات خارقة بإمكانها عمل ما تريد والقيام بما ترغب ليس ضمن نطاق كوكبنا الصغير بل حتى خارج فضائه. نعود إلى الموضوع الرئيس لمقال هذا الأسبوع، وأقول إن الحضارة الغربية تعاني اليوم تباطؤ النمو الاقتصادي، وإن أخذنا نظرية فريدمان في عين الاعتبار نكون نحن والعالم معنا في مرحلة حرجة قد تسبب كوارث لم تكن في الحسبان ولم نقرأ عنها في التاريخ ولم يكن لها مثيل. الحضارة الغربية مبنية على الأخلاق الإنسانية ومنها حقوق الإنسان، إلا أن القليل منا يدرك أن كل هذه المبادئ السامية مرتبطة ارتباطا وثيقا بدوران عجلة الدراجة الهوائية، أي الاستعارة التي استخدمها فريدمان عند تطرقه لأهمية النمو الاقتصادي للحضارة الغربية برمتها. الحضارة الغربية والنمو الاقتصادي توأمان، ولكن التوأمة هذه تستند إلى الأخلاق الإنسانية في مكان وتنتهكها في مكان آخر. ولهذا من أجل أن تدور عجلات الدراجة ولا تتوقف عن الحركة، تذهب هذه الحضارة إلى أبعد مدى في انتهاك حقوق الإنسان وأي أخلاق أخرى عند تعلق الأمر بمصالحها الاقتصادية والاستراتيجية. والأدلة على ذلك كثيرة ولا أظنها تغيب عن القارئ اللبيب.
ولكن فجأة رأت هذه الحضارة أن تحقيق معدلات نمو مقبولة كي تحافظ على رخائها صارت غير ممكنة لأسباب كثيرة منها محدودية المصادر والمنافسة الشديدة خارج جغرافيتها.
نحن أمام تباطؤ النمو ضمن إطار الحضارة الغربية وهذا ما يجعلها تنكمش على نفسها وتخشى على رخائها وبحبوحتها وليس على الأخلاق التي استندت إليها.
وأظن هذا قد يفسر لنا بروز سياسيين وقادة وأحزاب يمينية متطرفة لها شعبية كبيرة بعد أن كانت منبوذة قبل عدة سنين. الحضارة الغربية لم يعد بإمكانها استعمار دول أخرى للحصول على المصادر لتزييت عجلة النمو الاقتصادي. بدلا من ذلك صارت ترمي اللوم يمينا ويسارا داخل إطارها وجغرافيتها وخارجها ورأت مثلا في وجود الأقليات والجاليات الأجنبية بين ظهرانيها خطرا على وجودها لأن مشاركة هؤلاء في رخائها معوق للنمو.
مضى زمن طويل جدا والحضارة الغربية تنعم بالرخاء والرغد والثراء والرفاهية وهي تستحوذ تقريبا على أغلب مصادر العالم. وإن علمنا أن هذه الحضارة لن تدوم طويلا دون هذه السيطرة لأصبح جليا أن الأفول في انتظارها، وستكون لهذا الأفول تبعات خطيرة عليها أولا وعلى العالم برمته ثانيا.

إنشرها