FINANCIAL TIMES

حسم الاستفتاء بـ «نعم» مدوية يعزز آفاق الاستثمار في تركيا

عندما أصدرت المجموعة التركية المالكة لشركة صناعة البسكويت مكفيتي إعلانا فُكاهيا الأسبوع الماضي، يُظهر التنافس بين الإخوة، كان هدفها الاستفادة من روح يوم كذبة نيسان (أبريل) الجاري.
بدلاً من ذلك، تعرّضت لغضبة من قسم من حزب العدالة والتنمية الحاكم، الذي يتبع الرئيس رجب طيب أردوغان، وذلك بعد تفسير أحد أعضاء البرلمان من الحزب شعار الإعلان: "الآن هو يوم الحساب" – على أنه نذير بمحاولة انقلاب.
انخفضت أسهم أولكر بيسكوفي، التي تُسيطر عليها يلدز هولدينج، بنسبة 5 في المائة واضطر التكتل إلى إصدار نفي قاطع بأن القضية لا صلة لها بالسياسة أصلاً، ناهيك عن الدعوة أو تأييد انقلاب في البلاد.
قالت مجموعة يلدز "مجموعة الناس الذين بدأوا جدل كذبة نيسان (أبريل) أساءت عمداً تفسير رسالتنا الإعلانية وقصدنا".
على أن هذا لم يكن سوى واحد من أحدث الأمثلة على الطريقة التي شعرت فيها الشركات التركية، الكبيرة والصغيرة على حد سواء، بثقل التوتر الناجم عن استقطاب الحملة القاسية التي تعيشها البلاد، منذ الانقلاب الفاشل في تموز (يوليو) الماضي، التي ازداد أوارها عشية الاستفتاء الأخير على تحول البلد من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي".
تم الاستيلاء على مئات الشركات وسجن عشرات التنفيذيين للاشتباه في وجود صلات مع فتح الله جولين، رجل الدين الغامض المُتّهم بمحاولة الانقلاب.
ولقد تحقق أمل زعماء الأعمال بصورة مبدئية بفوز أردوغان في الاستفتاء الحاسم يوم الأحد الماضي، على دستور جديد ربما يعمل على إنهاء الفترة المضطربة التي عاناها ما كان واحداً من اقتصادات الأسواق الناشئة الأفضل أداءً، وأثارت المخاوف في قطاع الشركات.
وعد الرئيس باستعادة الاستقرار إذا جرى التصويت على الدستور الجديد لمصلحته، لكنه في المقابل لم يُحدد ما إذا كان سيرفع حالة الطوارئ التي فُرضت في تموز (يوليو) الماضي، وهي خطوة من شأنها جلب بعض الراحة للتنفيذيين الذين يشعرون بالقلق.
قال مايكل هاريس، الأستاذ المُساعد في جامعة سيراكيوز والمحلل السابق "إذا استمر أردوغان بحالة الطوارئ، فسيُحقق الاقتصاد أداءً ضعيفاً، لكن إذا رفعها، فهذا سيُغيّر نفسية الناس، لأن ذلك يعني ببساطة أن المرء لن يكون خائفاً بعد الآن من تعرّض أصوله لمخاطر المصادرة".
الآن مع تجاوز رفض الأتراك خطط أردوغان طويلة الأجل لتشديد قبضته على السلطة من خلال إنشاء رئاسة تنفيذية، فقد زالت كل مخاطر اندلاع موجة عدم اليقين السياسي واضطراب السوق.
الليرة هي عملة الأسواق الناشئة الأسوأ أداءً هذا العام وقد تراجعت بنسبة 27 في المائة مقابل الدولار منذ محاولة الانقلاب. ومع أن التصويت بـ "نعم" حظي بتقدّم صغير في استطلاعات الرأي، ومع ما كان يبدو من توازن في السباق، فإن النتيجة قد جاءت مصادقة على وجه العموم، لاتجاهات الاستطلاعات، بهامش ضئيل لمصلحة معسكر "نعم"، إلا أنه كان كافياً لتجديد الآمال.
كتب أتيلا يسيلادا، المحلل في وكالة جلوبال سورس بارتنرز، قبل يوم من الاستفتاء "إذا كانت النتيجة "لا"، فسيكون التوقع فترة طويلة من الاضطراب في السياسة التركية التي ستبلغ ذروتها في أوائل الانتخابات، التي قد يفوز بها حزب العدالة والتنمية أم "لا"، لكنه بات احتمالاً بلا معنى الآن".
عدم اليقين السياسي وضعف ثقة المستثمرين والمستهلكين، إلى جانب الهجمات الإرهابية التي ألحقت الضرر بقطاع السياحة المتعثر، كان السبب في الانكماش الأول الذي شهدته تركيا منذ سبعة أعوام في الربع الثالث من عام 2016.
انتعش الاقتصاد في الأشهر الثلاثة الأخيرة من العام، حيث سجّل نموا بنسبة 3.5 في المائة، لكن هذا جاء بعد أن غيّرت الحكومة الطريقة التي تقيس بها الإنتاج.
قالت مجموعة سيتي "إن الارتفاع في النمو كان مدفوعاً إلى حد كبير بالزيادة المهمة في الاستهلاك الخاص"، لكنها أضافت أنها تحتفظ "بوجهة نظرها الحذرة بشأن التوقعات".
وقالت مجموعة سيتي في مذكرة حديثة "ما زلنا نعتقد أن الميزانيات العمومية المضغوطة للشركات/الأسر، والضجيج السياسي المرتفع، وإعادة تسعير مخاطر البلاد، يستمر أيضاً بإلقاء ثقله على التوقعات".
مشاعر المستثمرين الأجانب حاسمة بالنسبة إلى بلد يعتمد على تدفقات رأس المال الداخلة قصيرة الأجل لتمويل عجز الحساب الجاري الكبير فيها. الشركات التركية أيضاً مُثقلة بالديون الخارجية.
حاولت الحكومة استعادة مستوى معين من ثقة المستثمرين ووقف انخفاض الليرة من خلال تشديد السيولة، ودعم العملة باستخدام سياسة أسعار فائدة معقدة، لكن التضخم كان مرتفعاً بعناد بنسبة 11 في المائة، في حين ارتفع معدل البطالة أكثر من 12 في المائة في كانون الأول (ديسمبر) الماضي.
التصويت بـ "نعم" لا شك في أنه سيؤدي إلى ارتفاع في الأسواق والعملة، إلا أن توقّع المحللين هو أن يكون لفترة قصيرة. على وجه الخصوص، هناك شكوك بشأن التزام الحكومة بالإصلاحات التي وُعد بها منذ فترة طويلة، التي تهدف إلى إعادة البلاد إلى حالة النمو المرتفع التي تمتعت بها قبل بضعة أعوام، والعوامل السياسية من المرجح أن تستمر بإلقاء ثقلها على الاقتصاد.
"كل من معدل البطالة والتضخم يُمكن إصلاحهما على مر الزمن، على أن ذلك لا يمكن أن يتم إلا من خلال السياسة المناسبة".
قال صاحب شركة منسوجات كبيرة طلب عدم الكشف عن هويته "هذه الحكومة فعلت ذلك من قبل، لكن السؤال هو ما إذا كان هذا هو محور تركيزها الرئيسي الآن. بالنسبة إلي، يبدو أن تركيز الحكومة هو على السياسة الآن، وليس الاقتصاد". فولفانجو بيكولي، الرئيس المُشارك للشركة الاستشارية، تينيو إنتليليجانس، قال "إنه من غير المحتمل أن تكون هناك إصلاحات اقتصادية خلال الأشهر الـ 12 المُقبلة، لأن تحقيق التوافق بين القوانين والمؤسسات وبين الرئاسة التنفيذية الجديدة سيحظى بالأولوية إذا ساد التصويت بـ "نعم". وأضاف "المسار السياسي والاقتصادي في تركيا قد يبقى سلبياً خلال المستقبل المنظور".
في الوقت الراهن يحاول رجال الأعمال باستماتة الابتعاد عن الأضواء. قال مؤسس شركة مملوكة للعائلة لديها أكثر من عشرة آلاف موظف "إذا قلت إنني أدعم الاستفتاء، مع قدر من التحفظات، فسأتعرّض للهجوم في وسائل الإعلام، فما بالك إذا ما قلت لا أدعم الاستفتاء، فقد يتفاقم الأمر. لذلك من الأفضل ألا أقول أي شيء على الإطلاق، وأن أرجو حدوث الأفضل للبلاد عموماً، ولآفاق الاستثمار بالذات".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES