ثقافة وفنون

في يومه العالمي .. «الكتاب» مشترَك بشري لا خلاف عليه

سيحتفل العالم نهاية هذا الأسبوع؛ 23 نيسان (أبريل) باليوم العالمي للكتاب World Book Days، الذي اعتمده المؤتمر العام لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة "اليونسكو" في اجتماعه في العاصمة الفرنسية باريس منذ 1995، قصد التشجيع على القراءة وحفظ حقوق المؤلفين.
تاريخ لم يكن اختياره اعتباطا، إذ لهذا اليوم دلالة خاصة في عالم الأدب، ففي مثل هذا التاريخ من عام 1616 فقد العالم ثلاثة عمالقة بصموا في ساحاته الأدبية هم: الأديب والمسرحي الإنجليزي وليام شكسبير، والروائي والشاعر الإسباني ميجيل دي سيربانتس، والمؤرخ البيروفي إنكا جارثيلاسو دي لافيجا، وحديثا جدا الصحفي والكاتب الإسباني جوزيف بِلا سنة 1981.
كما كان ذات اليوم تاريخ ميلاد الأديب الروسي فلاديمير نابوكوف عام 1899، والروائي الآيسلندي هالدور لاكسنس عام 1902؛ صاحب جائزة نوبل سنة 1955 عن روايته "النساج العظيم من كشمير"، وأيضا الشاعر والكاتب الكولومبي مانويل ميخيا فاييخو سنة 1923.
لكل ما سبق يكون اختيار اليونسكو هذا التاريخ اختيارا طبيعيا، فقد أرادت هذه المنظمة من خلاله التعبير عن تقديرها وتقدير العالم أجمع للكتاب والمؤلفين. كما ترمي من خلاله كذلك إلى تشجيع القراءة بين الجميع، وبشكل خاص بين الشباب، وتشجيع استكشاف المتعة من خلال القراءة، وتجديد الاحترام للمساهمات التي لا يمكن إلغاؤها لكل الذين مهدوا الطريق للتقدم الاجتماعي والثقافي للإنسانية جمعاء.
وقد عبرت عن ذلك البلغارية إيرينا بوكوفا مديرة منظمة اليونسكو؛ حين اعتبرت أن الكتب تساعد على جمع شمل البشر كافة باعتبارهم أفراد أسرة واحدة من سلالة واحدة، يتيح لها ماضيها المشترك، وكذلك تاريخها وتراثها، إرساء أسس مشتركة لمستقبل مشرق يشمل البشر كافة ويراعي احتياجاتهم ويلبي تطلعاتهم.
بعد ست سنوات من انطلاقة هذه الاحتفالية السنوية، أضافت إليها اليونسكو سنة 2001 مبادرة عاصمة الكتاب العالمية، التي أُريد لها أن تجعل هذا الحدث السنوي العالمي متنقلا بين مدن العالم. وكان لها ذلك بتجوال المناسبة بين البلدان وفي القارات، بدءا بالعاصمة الإسبانية مدريد كأول عاصمة عالمية للكتاب ثم تلتها الإسكندرية "2002".. وصولا إلى العاصمة الغينية كوناكري هذه السنة.
بذلك تسهم هذه المنظمة في تخليد حكاية الحب العظيم بين الإنسان والكتاب، التي تتجسد في فعل القراءة. ما أكثر صور القراءة في عالمنا بتعبير الأديب الأرجنتيني ألبيرتو مانجويل؛ فعالِم الفلك يقرأ في السماء النجوم التي اندثرت منذ زمن بعيد مضى، ويقرأ الصيادون آثار الحيوانات في الغابة ويتقفَّون خطاها، ويقرأ المزارعون في السماء ما تخبئه لهم الطبيعة من مفاجآت، ويقرأ صيادو السمك التيارات البحرية بوضع أيديهم داخل الماء.. وهلم جرّا من مشاهد القراءة المتناثرة في الكون الفسيح.
غير أن قراءة الكتب تظل الأسمى والأقوى، فكل قراء الطبيعة يشاطرون قراء الكتب تمثل معرفة العلامات، ويتميز عنهم هؤلاء بتزويدها بالمعاني، وهو ما عبر عنه سبينوزا في كتابه "رسالة في اللاهوت والسياسة" بقوله "غالبا ما يبدو لنا أننا نقرأ نفس الحكايات في كتب مختلفة، ومع هذا نصدر بحقها أحكاما متباينة حسب التصورات التي تجول في خواطرنا عن مؤلفيها".
فلأجل فهم نص ما، لا ينبغي أن نقرأه بالمعنى الحرفي للكلمات، بل إننا نقوم بإنشاء معنى له. والقصد في هذا أن هذه العملية المعقدة تعني أن القارئ عندما يعالج النص يقوم تلقائيا بإيجاد صور وتحولات شفاهية من أجل إدراك معناه. لكن المثير في هذه العملية؛ هو أنه لا ينشئ المعنى أثناء القراءة إلا عند إقامة علاقات بين معارفه وذكرياته وخبراته، وبين الجمل والعبارات والمقاطع المكتوبة على امتداد صفحات الكتاب المقروء.
علاقة بفعل القراءة؛ في شقه المكتوب، يعترف الشاعر الإنجليزي تشارلز لام بحبه التيه في عقول أناس آخرين. معبرا عن ذلك بقوله "عندما لا أتمشى أقرأ. إنني لا أستطيع أن أجلس ببساطة وأن أفكر. الكتب تفكر عني". بينما يرى سارتر أن "قراءة الكتب تمكنك من التعرف على العالم: مهضوما ومصنفا ومزودا ببطاقة تعريف للتأمل".
هذا ما يرفضه؛ وبشدة رائد الكتابة الكابوسية، كافكا في رسالة إلى صديقه أوسكار بولاك، معتبرا "الكتاب لا يستطيع أن يعوض العالم. هذا غير ممكن. لكل شيء في الحياة معناه ووظيفته التي لا يمكن أن تشغل بالكامل من قبل شيء آخر. فالمرء – على سبيل المثال - لا يمكن أن يعتاش حدثا آخر. هذا هو الحال بالنسبة إلى العالم والكتاب. فالمرء يحاول أن يحبس الحياة في كتاب كما يسجن الطائر المغرد داخل أقفاص. بيد أن هذا محال". قبل أن يتولى في ذات الرسالة تحديد نوعية الكتب التي يرى من الضرورة قراءتها بقوله "على المرء ألا يقرأ إلا تلك الكتب التي تعضه وتوخزه. إذا كان الكتاب الذي نقرأه لا يوقظنا بخبطة على جمجمتنا فلماذا نقرأ الكتاب إذا؟ يا إلهي، كنا سنصبح سعداء حتى لو لم تكن عندنا كتب، والكتب التي تجعلنا سعداء يمكن عند الحاجة أن نكتبها. إننا نحتاج إلى الكتب التي تنزل علينا كالبلية التي تؤلمنا، كموت من نحبه أكثر مما نحب أنفسنا، التي تجعلنا نشعر وكأننا قد طردنا إلى الغابات بعيدا عن الناس، مثل الانتحار. على الكتاب أن يكون كالفأس التي تهشم البحر المتجمد في داخلنا".
ويبقى أقوى موقف تجاه عملية القراءة هو الذي عبَر عنه الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير في رسالته إلى الآنسة شانتيي "اقرئي كي تحيي".
إن المجتمع؛ من وجهة مانجويل، يستطيع أن يقوم دون كتابة، إلا أنه لا يستطيع أن يقوم دون قراءة، غير أن السؤال الأكبر هنا يبقى في نظر الفيلسوف الفرنسي دنيس ديدرو هو "من سيكون السيد؟ الكاتب أم القارئ"؟
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون