المشراق

عالم جدة ووجيهها .. محمد نصيف نعم المضيف

قال عنه الأديب الشهير أمين الريحاني "هو دائرة معارف ناطقة، يجيب عن السؤالات التي توجه إليه ويهدي إلى مصادر العلوم الأدبية والتاريخية والفقهية"، ووصفه الزركلي بعالم جدة وصدرها في عصره، أما الشيخ محمد بن عبدالعزيز المانع فقال عنه "لم نعلم في الحجاز رجلا يساويه في الكرم وحسن الخلق"، وكتب العالم الكبير محمد رشيد رضا مقالا عنه بعنوان "محمد نصيف نعم المضيف".

ولادته ونشأته

ولد عالم جدة ووجيهها الشيخ محمد بن حسين بن عمر بن عبدالله نصيف، في مدينة جدة في 18 من شهر رمضان المبارك 1302هـ/ 1884، في بيت علم وأدب وفضل، وكان والده كبير أعيان جدة أيام الحكم العثماني، وكان منزله موئل كبار زوار جدة ومكة المكرمة، حيث كان قصره هو القصر الوحيد الذي ينزل فيه كبار المسؤولين وضيوف الدولة. وقد حل فيه الملك عبدالعزيز آل سعود لأخذ البيعة على العلماء والأعيان من أهل الحجاز، كما نزل فيه آخر خلفاء بني عثمان السلطان محمد وحيد الدولة.
نشأ المترجم يتيما، فقد مات والده وهو صغير، وتولى تربيته ورعايته جده عمر، الذي هيأ له الجو العلمي المناسب لطلب العلم والدراسة والاستفادة، وكان المترجم محبا للعلم منذ صغره فأقبل على طلبه ودراسته، ومن أبرز الشيوخ الذين تتلمذ عليهم: الشيخ عبد القادر التلمساني، حيث قرأ عليه أبوابا من التوحيد والفقه والتفسير، والشيخ أحمد بن إبراهيم بن عيسى من علماء نجد المشهورين، والشيخ أحمد النجار من علماء الطائف، والشيخ محمد حامد من علماء جدة، وغيرهم كثير.

ولعه بالكتب ونشرها

كان الشيخ محمد نصيف مولعا بالقراءة، كما كان يعنى بجمع الكتب الأمهات من المراجع والمخطوطات، حتى أصبحت مكتبته من أشهر المكتبات الخاصة في العالم الإسلامي، لاحتوائها على أكثر من ستة آلاف مجلد في مختلف علوم الدين والدنيا، وكانت مفتوحة للعامة ينهلون مما في خزاناتها من المراجع والكتب، كما اهتم بنشر كثير من الكتب السلفية التي كانت توزع بالمجان. وكان كلما سمع بطبع كتاب أرسل في طلبه وشرائه من أي دولة كانت، لشغفه الشديد بالكتب، وله معتمدون في عدة دول لشراء الكتب. وحول بداية ولعه بالكتب نجد هذه القصة الطريفة في كتاب "محمد نصيف حياته وآثاره"، خلاصتها: أن محمد نصيف كان شغوفا بجمع الكتب حريصا على اقتنائها لينتفع وينفع بها، وكان أول عهده بالكتب عام 1319هـ حين أرسله جده إلى السوق ليشتري جارية تخدمه ـــ أي تخدم محمد نصيف ــــ، ولما وصل إلى سوق العبيد ومعه حاجب القصر، ومع الحاجب ستة دنانير من الذهب، نظر محمد نصيف نظرة عابرة إلى الإماء اللاتي وجدن في هذه السوق، فإذا نفسه تشمئز من سوء معاملة الدلالات لهن وامتهانهن لكرامة هؤلاء الإماء، ثم قال في نفسه: إنني لا أريد أن أشتري جارية، ربما تكون في يوم من الأيام أما لأولادي وهي تباع والحالة هذه كما يباع الحمر والنعم، ثم عاد راجعا من السوق وأمر الحاجب بالذهاب إلى القصر بعد أن أخذ منه الدنانير الستة، وفي أثناء عودته مر بمكتبة لأحد العلماء يعرضها ورثته للبيع، فأقدم على شرائها بكاملها ثم عاد إلى جده وأخبره بما حدث، ففرح بذلك واستبشر خيرا، لأنه تفرس فيه رغبة جامحة لطلب العلم وتحصيله، ومن ثم أوكل تعليمه إلى بعض المعلمين البارزين، منهم الشيخ محمد باصبرين.
كما كان مرجعا للباحثين وطلاب العلم، وكل من يسأل عن نسب أهل الحجاز، وقد أجمع الناس على محبته لما كان يتحلى به من الصفات الكريمة والأخلاق الفاضلة. وكان كذلك مقدرا من ولاة الأمر غاية التقدير، وكان الملك عبدالعزيز، وولداه الملك سعود والملك فيصل، يبالغون في إكرامه ويزورونه في بيته، ولقد أمر الملك فيصل بن عبدالعزيز بشراء قصر نصيف ومكتبته، وجعلهما ملكا للدولة، وإبقائهما أثرا وتاريخا، يسميان باسم نصيف، وما زال الأمر كذلك إلى يومنا هذا.
وقد أهدى أحفاد الشيخ محمد نصيف مخطوطات مكتبته إلى جامعة الملك عبد العزيز في جدة.

الرسائل الشخصية

كان للشيخ محمد نصيف ـــ يرحمه الله ــــ مراسلات كثيرة مع عدد من الملوك والأمراء والشيوخ والعلماء والأعيان والوجهاء وتجار الكتب وغيرهم، وقد جمعت هذه المراسلات فبلغت سبعة مجلدات، وفي هذه الوثائق عديد من الأخبار والمعلومات المهمة، أتمنى لو قام باحث باستخلاص ما يناسب النشر منها وتحقيقه ونشره، مع استخلاص مجموعة من الفوائد الموجودة في هذه المراسلات التي ربما لا نجدها في مكان آخر.
وفاته

توفي الشيخ محمد نصيف في يوم الخميس السادس من شهر جمادى الآخرة عام 1391هـ/1971 في مدينة الطائف، ثم نقل جثمانه إلى جدة في موكب مهيب، وقد خرجت جدة كلها لتشييع جنازته، وصُلي عليه بعد صلاة العصر في مسجد المعمار، ودفن في مقبرة الأسد في مدينة جدة، وكان عمره يناهز 90 عاما.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من المشراق