FINANCIAL TIMES

فرنسا .. الإحباط الاقتصادي يدفع الناخبين الشباب نحو لوبن

جسر الطريق السريع، العاصف، ليس فكرة عادية لمراهق عن المكان الممتع لقضاء ليلة الجمعة. لكن جاستين ديولافيه وأصدقاءها يعتبرون أنفسهم في مهمة: مساعدة المرشحة اليمينية المتطرفة مارين لوبن للفوز في الانتخابات الرئاسية الفرنسية.
في الوقت الذي تخرج فيه تيارات حركة المرور من ميناء سانت مالو في بريتاني، الفتاة البالغة من العمر 18 عاماً ومعها 15 شخصا من "الوطنيين" الشباب ينشرون لافتة عملاقة: "الشباب مع مارين". ولإضافة التأثير اللازم يضيئون مشاعل باللون الأحمر والأبيض والأزرق، ما يدفع السيارات لإطلاق أبواقها كنوع من الدعم.
تقول ديولافيه: "الشباب في حالة ثورة. حصلنا على 50 عاما من اليمين واليسار، وانظروا إلى الملايين منا العاطلين عن العمل، الذين يعيشون في فقر، دون وظيفة مستقرة أو إسكان (...) لقد حان الوقت لإحداث تغيير في النظام، لقد حان الوقت لمارين".
في انتخابات فرنسية غير عادية تشهد تراجع المرشحين المفضّلين إلى الهوامش وبروز متمردين مثل لوبن إلى صدارة استطلاعات الرأي، ديولافيه وأصدقاؤها يجسّدون ظاهرة أخرى: قوة تصويت الشباب التي تدفع حزب الجبهة الوطنية نحو أفضل نتائجه على الإطلاق.
الحزب هو الأكثر شعبية في فرنسا لدى الأشخاص الذين ينتمون إلى الفئة العمرية 18 - 24 عاماً، حيث يستولي على 39 في المائة من الأصوات، وفقاً لاستطلاع أخير أجراه Ifop. هذا مقارنة بـ21 في المائة لمرشح الوسط إيمانويل ماكرون، و9 في المائة للمنافس من يمين الوسط، فرانسوا فيون.
مثل هذا المستوى من دعم الشباب للحزب الشعبوي اليميني المتطرف يبدو أنه يتناقض مع الاتجاهات الحديثة في أماكن أخرى. في المملكة المتحدة في العام الماضي، احتشد الشباب ضد "خروج بريطانيا" للدفاع عن رؤية عالمية للأمة. في الولايات المتحدة، دونالد ترمب، مع الموقف المناهض للهجرة وللعولمة، حقق أداء ضعيفا من حيث تصويت الشباب.
في فرنسا، في المقابل، يحتشد الشباب لحزب قارن المسلمين الذين يصلّون في الشوارع بالاحتلال النازي لفرنسا ووعد بمحاربة التجارة الحرة والهجرة. ارتفاع الدعم في الأعوام الأخيرة كان عجيبا: في عام 2012 كان الدعم لحزب الجبهة الوطنية 18 في المائة فقط.
أصبح الأمر ورقة رابحة أخرى في سباق لا يُمكن التنبؤ به، بعدما ألحقت فضيحة تمويل ضررا شديدا بفيون، المرشح الأوفر حظاً سابقا، بينما ماكرون المرشح المستقل البالغ من العمر 39 عاماً، الذي لم يترشّح قط لأي منصب حكومي في السابق، يتصدّر استطلاعات الرأي.
الإحباط بين الشباب الناشئ عن غياب فرص العمل والآفاق الاقتصادية الضعيفة يشكل جزءا كبيرا من جاذبية حزب الجبهة الوطنية.
يقول دومنيك، واحد من المجموعة الموجودة على الجسر يبلغ من العمر 21 عاماً وكان يُكافح للعثور على وظيفة: "نحن جيل معرض لخطر العيش في حال أسوأ من آبائنا".
في ظل حكومة فرانسوا هولاند الاشتراكية بقي معدل البطالة مرتفعا بشكل عنيد، ضعف المستوى في المملكة المتحدة وألمانيا. بطالة الشباب تبلغ 25 في المائة، مقارنة بـ18 في المائة عام 2008.
جويل جومبين، المختص في العلوم السياسية الفرنسية ومحلل البيانات، يقول إن الوضع الاقتصادي بشكل خاص أصبح أسوأ بالنسبة للشباب في المناطق الريفية، أولئك الذين تركوا التعليم النظامي في وقت مبكر، وهما اثنتان من السمات التي غالباً ما ترتبط بدعم حزب الجبهة الوطنية.
يضيف: "بالنسبة لعدد متزايد من الشباب الحاصلين على تعليم أقل في فرنسا من شبه المؤكد أنهم سيقضون كثيرا من حياتهم في وضع اقتصادي غير مستقر".
هناك سبب ثان لدعم حزب الجبهة الوطنية بين الشباب، هو أنهم لا يتذكرون الحزب المعادي للأجانب بقوة في السبعينيات. بين الذين تزيد أعمارهم على 65 عاماً، الذين يتذكرون، دعم حزب الجبهة الوطنية يبلغ 17 في المائة فقط.
على مدى العقد الماضي، خاصة منذ عام 2011 تحت قيادة لوبن، حاول الحزب إعادة تشكيل صورته. مثلا، يتحدث المسؤولون الآن عن "الهجرة" بدلاً من "المهاجرين"، ويُعارضون "الإسلام المتطرف" بدلاً من "الإسلام"، بينما القضايا التي يُدرجها الحزب في حملاته تجاوزت الأمن والهجرة لتشمل رسالة مناهضة للعولمة مُركّزة اقتصادياً.
ديولافيه كانت عمرها 12 عاماً فقط عندما تولت لوبن قيادة الحزب؛ "حزب الجبهة الوطنية الجديد" هو كل ما تعرفه. "لقد كان وقتاً مختلفاً آنذاك في السبعينيات (...) الحزب اليوم يُركّز على قضايا اليوم - إنها فرص العمل، والإسكان، واستعادة السيادة والثقافة الفرنسية".
كريستيل مارشان لاجييه، وهي مختصة في الجبهة الوطنية في جامعة أفينيون، تقول إن معظم الناخبين المؤيدين للجبهة الوطنية ليس لديهم إلمام بتفاصيل برنامج الحزب، لكنهم ببساطة يريدون أن يصوتوا ضد النظام. "إنه تصويت سلبي".
لكن من الواضح أن الجبهة الوطنية بارعة في تفصيل رسالتها على قدر التصويت الشبابي. مثلا، لدى الحزب أقوى حضورا في الوسائط الاجتماعية في فرنسا. شخصيتان من أكبر الشخصيات في الحزب، ديفيد راشلين وماريون ماريشال لوبن، هما في العشرينات من العمر.
ولا يزال من غير الواضح مقدار الدعم الذي سيكون الحزب قادرا على تحويله إلى أصوات انتخابية فعلية، بالنظر إلى المعدلات المنخفضة تقليديا في الحضور إلى صناديق الاقتراع بين الشباب. في الانتخابات الرئاسية الأخيرة في فرنسا، امتنع 28 في المائة من الشباب الذين تقع أعمارهم بين 18 و24 عاما عن التصويت في الجولة الثانية، وهي نسبة تزيد 20 في المائة عن المتوسط على مستوى فرنسا.
لكن هذه المرة، على الأقل الجماعة الواقفة على الجسر تبدو عازمة على أن تجعل أصواتها مهمة. يقول دومنيك: "إنهم يقولون ينبغي لنا أن نعاني بصمت – لكننا سنقف وسيُحسَب حسابنا".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES