أخبار اقتصادية- محلية

مختصون دوليون لـ"الاقتصادية": السعودية نقطة ارتكاز أساسية في مشروع طريق الحرير

منذ مطلع التسعينيات الذي شهد فيه الاقتصاد الصيني تحقيق معدلات نمو مرتفعة، وسعي بكين إلى توسيع أسواقها الخارجية، بدأت المحاولات الأولى لإحياء طريق الحرير، وفي ذلك الوقت ساد حديث دائم عن تعزيز الطرق البرية بين آسيا وأوروبا، عن طريق تدشين شبكة من السكك الحديدية تربط بين الصين وبعض من جمهوريات آسيا الوسطى وروسيا وألمانيا.
وإذا كان العقد الأول من القرن الـ121، شاهد تراجعا إعلاميا في الحديث عن إحياء طريق الحرير، فإن عام 2013 مثل نقطة تحول حقيقية، إذ إنه في هذا العام طرحت الصين مبادرة تعرف باسم "استراتيجية الحزام والطريق"، تتضمن إنشاء نحو 1000 مشروع للربط بين آسيا وأوروبا لإيجاد مناخ تنموي، يساعد على زيادة معدلات النمو الاقتصادي، وإحداث طفرة اقتصادية للبلدان المشاركة في هذا الطريق.
وإذا كانت فكرة طريق الحرير أو الحزام الاقتصادي مبادرة صينية بامتياز، فإن بكين تدرك تماما أن المشروع من الضخامة والتعقيد، حيث لا يمكنها بمفردها إتمامه وضمان نجاحه، وأنها في حاجة إلى شريك يشاركها الرؤية ويمتلك القدرة والطاقة على المساهمة في إنجاح المشروع.
وفي هذا الإطار، قال لـ"الاقتصادية" البروفيسور مارتن أيثر؛ أستاذ التجارة الدولية السابق ومستشار مجموعة الإنديز في مجال التجارة الخارجية، "بكل المعايير نحن أمام مشروع عملاق قد يغير مسار التجارة الدولية بالكامل، فالدول المشاركة يراوح عددها بين 65 و70 دولة، وعدد سكان البلدان المشاركة في المشروع وتمثل السوق الرئيسة للسلع المنتجة، سيبلغ نحو 4.4 مليار نسمة، أما حجم التبادل التجاري فيقدر مبدئيا بـ21 تريليون دولار".
وأضاف، "إذا تصورنا أن هناك قطارا انطلق من الصين وهي محطة البداية للمشروع، بهدف الوصول إلى لندن نقطة النهاية للمشروع، فإنه في حاجة إلى نقطة ارتكاز في الوسط، وهذا تحديدا جوهر الاتفاق السعودي - الصيني الذي تم خلال زيارة خادم الحرمين الملك سلمان بن عبدالعزيز أخيرا الى الصين، اذ ستصبح السعودية نقطة الارتكاز بين أقصى شرق آسيا أي الصين، وأقصى غرب أوروبا أي المملكة المتحدة".
أما تشارلز بيلند؛ أستاذ الاقتصاد المعاصر في جامعة ليدز، فيضيف لذلك عاملين آخرين ساعدا الرياض على احتلال تلك المكانة المميزة في ذلك المشروع.
وقال لـ"الاقتصادية" إن العاملين تضمنا "الموقع الجغرافي للسعودية، حيث تعد إحدى آخر البوابات الآسيوية الرئيسة قبل الدخول إلى أوروبا، وكذلك أولى البوابات إلى إفريقيا، يضاف إليه القوى الاقتصادية التي تتمتع بها التي يدركها الجانب الصيني أكثر من أي طرف آخر، إذ وقعت الصين وفقا لما أعلنته المصادر الصينية الرسمية اتفاقات مع 61 دولة بقيمة 126 مليار دولار، بينما وقعت مع الرياض بمفردها اتفاقيات بقيمة 65 مليار دولار، وهو ما يمنح المملكة مكانة خاصة في المبادرة الصينية المعروفة باسم "استراتيجية الحزام والطريق".
لكن بعض الخبراء يعتقدون أن اختيار الصين للسعودية للقيام بترجمة فكرة طريق الحرير إلى واقع ملموس، لا يعود فقط إلى القدرات التمويلية التي تمتلكها الرياض، وإنما يعود بالأساس إلى الرؤية الاقتصادية الحديثة التي تتبناها السعودية.
وفي هذا السياق، أوضح ماكس هايليت الخبير الاستثماري، "في هذا المشروع العملاق الصين تبحث عن شريك حيوي وطموح وغير تقليدي، قادر على تبني أفكار اقتصادية غير تقليدية، وهذا تحديدا هو السبب في ضخامة الدور الذي ستقوم به الرياض تجاه هذا المشروع، فـ"رؤية 2030" تطرح تصورات غير تقليدية للتطوير الاقتصادي السعودي، وتسعى إلى التوسع الاستثماري في الداخل والخارج، وتهدف لإخراج الاقتصاد السعودي من شرنقة الاعتماد على النفط كمصدر شبه وحيد للدخل لقومي، إلى تنويع مصادر الدخل السعودي، وهو ما ينسجم تماما مع مشروع طريق الحرير، الذي سيتضمن استثمارات عملاقة في مجال البنية الأساسية بتكنولوجيا حديثة ومتطورة".
في المقابل، أشارت الدكتورة أماندا براون؛ أستاذة التجارة الدولية في جامعة كامبريدج، إلى أن هذا المشروع يواجه تحديات لا يمكن تجاهلها، مبينا أن المبادرة الصينية ترمي في جزء كبير منها إلى تحويل التنافس القائم بين البلدان المشاركة في طريق الحرير إلى عملية تكاملية، حيث تمثل عملية النهوض الاقتصادي للبلدان المشاركة في المشروع، نهوضا كليا للجميع وليس لطرف واحد على حساب الأطراف الأخرى، وهو ما يتطلب تخلي البعض عن سلوكه التوسعي الراهن في الإقليم الذي ينتمي إليه، وأن يتبنى قيما جديدة ترمي إلى تعزيز التكامل الاقتصادي على أسس سلمية.
وأضافت براون لـ"الاقتصادية" أنه إذا كان مشروع طريق الحرير يمنح فرصا اقتصادية هائلة يمكن أن تزيد من حجم التجارة الدولية بين جميع الأطراف المشاركة في المشروع، فمن الواضح حاليا أن الرياض تمتلك نظرة أكثر شمولية للمشروع، حيث تسعى المملكة من وجهة نظر الخبراء البريطانيين إلى العمل على ألا يكون الحزام الاقتصادي لطريق الحرير تكتلا تجاريا دوليا جديدا، أو اتحادا جمركيا، أو حتى آلية للتكامل الاقتصادي الإقليمي، لتفادي أي قلق قد يأتي من دول تنظر إلى المشروع باعتباره مسعى للهيمنة الصينية وإيجاد تكتل آسيوي أوروبي.
واستدركت براون، إنما الرياض تعتبر الحزام الاقتصادي لطريق الحرير وسيلة مرنة للتعاون تساعد على زيادة الصادرات والواردات بين الشرق والغرب، حيث يتجاوز فيها الدور السعودي دور المركز النفطي لتمويل احتياجات بلدان الحزام الاقتصادي لطريق الحرير إلى ما هو أكثر من ذلك.
من ناحيته، قال لـ"الاقتصادية" إسكوت هارمان الباحث في مجال الاقتصاد الدولي، "نظرا للتفاعل الاقتصادي بين دول المشروع فإن احتياجاتها في مجال الطاقة عامة وتحديدا الكهرباء سيتضاعف بشكل ملموس، وهنا يمكن أن تلعب الرياض دور مركز الإمداد الرئيس لدول طريق الحرير باحتياجاتها من الطاقة، لكن الأهم بالنسبة للمملكة أن يسهم الطريق في بناء منظومة اقتصادية جديدة، يمكن لها أن تساعد في تطوير عديد من مناطق المملكة، كما أن التفاعل الاقتصادي بين الدول الأعضاء سيدفع في اتجاه تحقيق الرؤية السعودية نحو مزيد من الاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني في الشرق الأوسط، وفي التخوم الاستراتيجية للمنطقة العربية وأعني وسط آسيا".
ويعتقد بعض الخبراء السياسيين والاقتصاديين أن نظرة السعودية تجاه المبادرة الصينية تسعى إلى وضعها في إطار أشمل للتفاعل الحضاري، وذلك في مسعى سعودي واضح لإحداث نقلة نوعية في المبادرة الصينية من خلال الربط الخلاق بين التنمية الاقتصادية والتفاعل الحضاري.
وهنا أوضح الدكتور ديفيد أسبيندر؛ أستاذ العلاقات الدولية في جامعة لندن، أنه "يلاحظ أن القيادة السعودية حرصت على أن يكون حديثها عن طريق الحرير، خلال كلمة الملك سلمان التي جاءت في ختام أعمال معرض طرق التجارة في الجزيرة العربية الذي استضافه المتحف الصيني الوطني، وخلال الكلمة أكد أن الجهود الصينية والمشاركة السعودية في بناء الحزام الاقتصادي لطريق الحرير البري والبحري ترمي لتعزيز العلاقات التجارية بين الشرق والغرب ولزيادة تفاعل الحضارات، وتلك رؤية تريد أن تبعث برسالة إلى العالم بأن الموقف السعودي يرى في التعاون الاقتصادي وسيلة للتفاعل والتكامل الإنساني وليس للمنافسة الشرسة الهدامة".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من أخبار اقتصادية- محلية