FINANCIAL TIMES

دعك من السياسة .. التكنولوجيا ستشكل مستقبلنا

"تاريخ العالم ما هو إلا سيرة الرجال العظماء"، كما كتب المؤرخ توماس كارلايل في عام 1841. ما يسمى نظرية الرجل العظيم في التاريخ هذه فقدت صدقيتها منذ ذلك الحين. يعتقد معظم المؤرخين الآن أن الزعماء والرؤساء لديهم تأثير ضئيل نسبيا على حياة الناس العاديين. التركيبة السكانية والمناخ والتكنولوجيا مهمة أكثر من ذلك بكثير.
لكن نظرية الرجل العظيم في التاريخ لا تزال حية في الصحافة. إذا قرأنا الأخبار هذه الأيام سنعتقد أن دونالد ترمب وبطانته هم القوى الرئيسية التي تشكل المستقبل. بالمثل، تقارير الانتخابات الفرنسية المقبلة ترسل في جميع أنحاء العالم على افتراض أن الرئيس التالي سيغير التاريخ. هذا التركيز على الشخصيات بدلا من الاتجاهات ممتع لكنه مضلل. تماما كما فعلت الهواتف الذكية، ربما أكثر من باراك أوباما، في تشكيل الأعوام القليلة الماضية، كذلك التكنولوجيا وليس ترمب من المفترض أن تشكل الأعوام القليلة المقبلة.
النقاش حول المستقبل يحتكره حاليا السؤال الذي بلا إجابة، المتعلق بما إذا كانت الروبوتات ستسلب وظائف البشر. لكن هناك كثيرا من الأمور الأخرى التي ستحدث. لنتصور أن ترمب سيحكم لمدة ثمانية أعوام. خلال تلك الفترة ستتغير الحياة. بحلول عام 2024، الواقع الافتراضي سيكون الأمر السائد. عندما نضع نظارات الواقع الافتراضي الخاصة بنا سنكون قادرين على الدخول (افتراضيا) إلى مكتب رئيسنا في بلد آخر. تماما كما غيرت الإنترنت لعبة التزاوج، كذلك سيفعل الواقع الافتراضي. يمكنك لقاء صديقك الجديد افتراضيا في مقهى على الشاطئ أو في الفضاء. أشكال جديدة من الترفيه ستظهر: ستكون قريبا قادرا على أن تقف (افتراضيا) على ملعب نادي برشلونة وتشاهد ليونيل ميسي يتجه نحوك، أو رؤية النجم الراحل، لورانس أوليفييه، يمثل دور البطولة في فيلم جديد.
اليوم نحن نعيش بين العالمين الرقمي والمادي - لنفكر في أب يبدل بين هاتفه الذكي وطفله. الواقع الافتراضي سيسمح لنا بالعيش في العوالم الافتراضية والمادية في وقت واحد. ويمكن أن يقع الشباب ضحية اضطراب نفسي جديد: "الانفصال عن الواقع". تقول ليزا فان فليت، عالمة الكيمياء الحيوية في جامعة كامبريدج: "لن يعرفوا ما هو الواقع بعد الآن وما هو ليس كذلك".
الواقع الافتراضي سوف يغير الحياة للفئة العمرية الأسرع نموا من البشر: كبار السن. متوسط العمر المتوقع يرتفع منذ الآن لكل مجموعة تقريبا في البلدان المتقدمة، باستثناء الطبقة العاملة البيضاء الأمريكية. النساء في كوريا الجنوبية يمكن أن يصبحن قريبا أول فئة من البشر لديها متوسط عمر متوقع يبلغ 90 عاما (على افتراض عدم وجود هجوم صاروخي من كوريا الشمالية). الأدوية المتخصصة ينبغي أن تعجل الاتجاه الصاعد. أجهزة الاستشعار في جسمك سوف تخبرك عندما تكون بحاجة إلى تناول دوائك، وتحذرك قبل أن تصاب بنوبة قلبية. سيدفع الأغنياء المال لاستبدال الجينات السيئة وأعضاء الجسم الضعيفة.
منذ الآن، كثير من البلدان لا تستطيع العناية بجميع كبار السن فيها. قريبا حتى الحكومات المعادية للهجرة قد تضطر للسماح بدخول مقدمي الرعاية من المهاجرين. يتوقع المتنبئ، جورج فريدمان، أنه بحلول عام 2030، ستقدم البلدان الغنية مكافآت لاجتذاب المهاجرين.
بمجرد أن تحل الروبوتات محل السائقين وأمناء الصناديق البشر، قد ينتقل كثير من الأشخاص في الطبقة العاملة الغربية إلى وظائف الرعاية. لكن الأرجح أن يجدوا مقدمي الرعاية الآليين (الذين يجري بناءهم منذ الآن في اليابان). عندما يصدر روبوت الجدة أنها لم تضع غلايتها على النار في الوقت المعتاد، عندها سيدخل مقدم رعاية من الواقع الافتراضي إلى شقتها للاطمئنان عليها. مقدم رعاية واحد من الواقع الافتراضي يمكن أن "يزور" 30 شخصا مسنا في اليوم.
كثيرون سيجدون الشيخوخة طويلة وموحشة بشكل لا يطاق. يجادل سياسيون هولنديون الآن بشأن قانون جديد محتمل عن "إنهاء الحياة" يسمح لكبار السن السليمين صحيا بتنفيذ القتل الرحيم. تماما كما كان الهولنديون هم الرواد في زواج المثليين والماريجوانا القانونية، هذه الفكرة، أيضا، يمكن أن تصبح عالمية.
في الوقت نفسه، ألمانيا وكاليفورنيا تتصدران جهود التحول إلى طاقة الرياح والطاقة الشمسية. ثورة الطاقة، كما يدعوها الألمان، لن توقف تغير المناخ. ميامي يمكن أن تكون أول مدينة في الغرب تجلي سكانها، لأن الأعاصير وارتفاع مستويات البحر يجعلا التأمين على المنازل مكلفا. (ترمب سيكون له تأثير ضئيل على المناخ، نظرا لأن الحكومات الأخرى لا تتخذ تدابير كافية أيضا). ثورة الطاقة قد تدمر اقتصاد الوقود الأحفوري في روسيا. مع ذلك، ستبقى روسيا قوة كبيرة لأن التكنولوجيا العسكرية تتحول أيضا: من المقاتلين البشر إلى جنود آليين أرخص وحرب إلكترونية. ثورة عيد الفصح في عام 1916 في إيرلندا ركزت على السيطرة على مكتب البريد العام في دبلن، كما يشير دان بليش، من كلية الدراسات الشرقية والإفريقية في جامعة لندن. "أصبحنا نعرف حقيقة أن الإنترنت الآن هي المكافئ لذلك".
هذا يمكن أن يجعل معظم الجنود البشر في الولايات المتحدة زائدين عن الحاجة. سيكون ترمب بحاجة إلى العثور على طرق أخرى لجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى. لقد زاد وتيرة هجمات الطائرات دون طيار بنسبة 432 في المائة عما كان في رئاسة أوباما، وهو يطور اهتماما أمريكيا مبكرا بفكرة الهجمات النووية المحدودة (التي يمكن أن "تستثني" آلاف الأشخاص عن طريق التحذير).
لكن ترمب لن يصنع هذا المستقبل. ربما يتصور أنه سيكون الفارس الذي يقود حصان التاريخ. في الحقيقة، إنه يتمسك بالحصان من أجل حياة عزيزة في الوقت الذي يحمله في اتجاهات لم يكن يتصورها أبدا.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES