رؤية اقتصادية عالمية

|
تُبنى الخطط الاستراتيجية على تعزيز المزايا النسبية، ولهذا فإن الرؤية الاقتصادية الناجحة هي التي تُبنى على دراسة مستفيضة لتحدّد ما أوجه القصور، وأوجه القوة؛ ما التهديدات، وما الفرص، ومن خلال التحليل الدقيق لكل موضوع من هذه الأربعة يتم تحديد المزايا النسبية التي يتمتع بها الاقتصاد، ومن ثم يبدأ التخطيط لتعزيز هذه المزايا واستغلالها بما يحقق أفضل وأعلى العوائد على الاقتصاد. وعندما نقول إن المزايا تتصف بالنسبية، فهذا يعني أن مزية ما قد تكون مهمة لدولة ما، لكنها غير ذات أهمية لدولة أخرى، وبعض المزايا قد تكون متعلقة ببلد ما لكنها مهمة جدا لبلد آخر، لضرورتها لاقتصاده وخططه، رغم عدم توافرها لديه. هنا تظهر أهمية الشراكة للاستفادة القصوى؛ بل لتعظيم منافع المزايا النسبية واستكشاف المشترك منها. ولعل النجاح الحقيقي يكمن في اختيار الشركاء الفاعلين الذين تتكامل معهم المزايا والفرص. واليوم وبعد أن انتهت جولة خادم الحرمين الشريفين في دول شرق آسيا، اتضحت معالم توجهاته - حفظه الله -، فبعد أن حدّد للمملكة "رؤيتها 2030" بكل جلاء ووضوح وما تضمنته من مزايا يجب أن تستغلها مباشرة، ومزايا يمكن تقديمها للآخرين من أجل تحقيق منافع مشتركة، جاء دور البحث عن شركاء لهم خطط مماثلة وقريبة ويمكن تحقيق التكامل المنشود، من أجل تعظيم الاستفادة وأيضا من أجل بناء اقتصاد مستدام. والصين اليوم هي أحد أهم اللاعبين في حركة الاقتصاد العالمي وتدفق السلع، ولديها خطط طموحة نحو بناء اقتصاد مستدام، وجاءت زيارة خادم الحرمين الشريفين لبكين لتعزيز مفهوم الشراكة وفقا لمبدأ المزايا النسبية للطرفين، فرغم أن العلاقات التجارية بين السعودية والصين تمتاز بالتطور والنمو حيث تحتل الصين المرتبة الأولى من بين أكبر عشر دول مستوردة من المملكة، وتمثل نسبة ما تستورده الصين من المملكة "12.1 في المائة" من إجمالي صادرات المملكة لدول العالم، وهي أيضا الأولى من بين أكبر عشر دول مصدرة للمملكة، وتمثل واردات المملكة من الصين ما نسبته 14.1 في المائة من إجمالي واردات المملكة من دول العالم، رغم هذه العلاقة الاقتصادية إلا أن مفهوم التعاون بين البلدين لم يصل إلى حد الدعم الاستراتيجي لتحقيق رؤى مشتركة. لكن الزيارة الأخيرة للملك سلمان غيّرت قواعد اللعبة تماما، فالمملكة التي وضعت في رؤيتها استغلال المزية النسبية التي يوفرها موقع المملكة الجغرافي، تجد أنه بالإمكان العمل على تحقيق ذلك من خلال مشروع الصين لإعادة بناء طريق الحرير، لكن الطريق وحريره هذه المرة سيمر بالمملكة العربية السعودية ومنها إلى باقي العالم. وهذا بالتأكيد سيضيف الكثير جدا إلى الاقتصاد السعودي، لكن أهم ما سيحققه أن تتمتع المملكة باقتصاد مستدام نابع من مرتكزات اقتصادية مستقرة. وكما أشرنا من قبل، فإن الدقة في التخطيط عند بناء "رؤية المملكة 2030" هي التي تصنع الفرق اليوم، وهذا هو ما سهل التوصل إلى اتفاق تاريخي مع اليابان، وتم الإعلان لأول مرة عن رؤية سعودية - يابانية مشتركة، كما وجدت النقاشات مع الجانب الصيني أرضا صلبة، ولو أن "رؤية المملكة 2030" لم تتضمن الاستغلال الأمثل للموقع الجغرافي لكان من الصعب التفاهم مع الجانب الصيني بشأن طريق الحرير. وهكذا فإن جولة خادم الحرمين الشريفين مع ما حملته من نتائج وشراكات مع رؤى الدول الاقتصادية الكبرى في شرق آسيا قد وضعت "رؤية المملكة 2030" في مكانة عالمية اليوم، وبعد أن قدمت هذه الدول الاقتصادية الكبرى مزاياها النسبية من أجل الفوز بالشراكة مع المملكة، فإنه من المتوقع أن تتسع دائرة التعاون نحو بناء رؤى مشتركة مع دول أخرى في مناطق من العالم لا تقل أهمية عن شرق آسيا، وما ذلك إلا لما تتمتع به المملكة من مكانة اقتصادية كبيرة اليوم، وأن "الرؤية" لخصت بشكل وافٍ قوة ومزايا الاقتصاد السعودي ومستقبله وما تستطيع المملكة تقديمه للآخرين، ولهذا جاء رد فعل الدول في حجم العمل الذي تم.
إنشرها