المشراق

ميزاب الكعبة .. لم يتغير مكانه منذ قبل الإسلام

الميزاب هو قناة من معدن أو طين يجري فيها الماء من السطح ويسمى أيضا المزراب. وميزاب الكعبة هو تلك القناة المثبتة في منتصف الجهة الشمالية من الكعبة المشرفة التي يجري فيها الماء ويسكب من خلالها في حجر إسماعيل ويربط وجود الميزاب بوجود السقف فيذكر أن قصي بن كلاب أول من سقف الكعبة المشرفة وإن صح ذلك لزم وجود الميزاب وإن لم يصرح لنا التاريخ بوجود الميزاب في بناية قصي للكعبة المشرفة عكس ما ورد عن بناية قريش للكعبة المشرفة قبيل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم فقد جاء في خبر البناية أن قريشا جعلت للكعبة المشرفة ميزابا يصب في حجر إسماعيل.
وحال ميزاب الكعبة حال باب الكعبة وكسوتها فهو قابل للتغيير إما لوهن أو لمجرد التجديد كما أنه قابل للترميم وكذلك التزيين وقد اعتنى المسلمون من حكام وأمراء وسلاطين أشد العناية لعمارة الحرم المكي فأنفقت الأموال الطائلة وسخرت الإمكانات وذللت الصعاب وقد كان للميزاب نصيبه فلقي العناية وحظي بالاهتمام.
ولم يتغير موضع الميزاب على الرغم من تجديد بناء الكعبة المشرفة بالكلية فحينما أعاد الزبير بن العوام رضي الله عنهما بناء الكعبة المشرفة على ما كانت عليه في زمن إبراهيم عليه السلام جعل الميزاب في الموضع الذي جعلته قريش فيه في الجهة الشمالية من الكعبة المشرفة وكذلك حينما أخرج الحجاج بن يوسف الثقفي ما زاده الزبير من بناء في الكعبة المشرفة جعل الميزاب في الموضع السابق له.
وقد غيرت ميازيب الكعبة المشرفة خلال العصر الإسلامي مرات عديدة فأول ذكر لتغييره بصنع ميزاب جديد هو ما عمله أبو القاسم رامشت الفاسي حيث قام بعمل ميزاب للكعبة المشرفة ركب بعد موته في سنة 539هـ وبعده بفترة قصيرة أمر الخليفة المقتفي العباسي بعمل ميزاب للكعبة المشرفة ركب سنة 542هـ ثم عمل الخليفة الناصر العباسي ميزابا آخر مصنوعا من الخشب ومحلى بالفضة وقد كتب اسمه عليه فركب سنة 609هـ على الأرجح وبقي هذا الميزاب إلى سنة 959هـ حيث أمر السلطان العثماني سليمان القانوني بصنع ميزاب للكعبة المشرفة ركب في سنة 959هـ ويذكر إبراهيم رفعت باشا في مرآة الحرمين أنه غير بآخر من ذهب في سنة 962هـ ثم جدد السلطان أحمد خان سقف الكعبة المشرفة سنة 1021هـ وتم خلال تجديد السقف تغيير الميزاب السابق بميزاب آخر مصنوع من خشب ومصفح بالفضة ومحلى بالذهب أمر بصنعه السلطان أحمد وقد أعيد هذا بعد إعادة بناء الكعبة المشرفة سنة 1040هـ ثم عمل السلطان عبدالمجيد ميزابا آخر صنع في القسطنطينية مصفحا بالذهب بنحو 50 رطلا ركب سنة 1273هـ وقد كتب على لسان الميزاب "بسم الله الرحمن الرحيم" وتحتها "يا الله" وكتب في يمينه "جدد هذا الميزاب لوجه الله الكريم الخبير سلطان البرين والبحرين المفتخر بخدمة الحرمين الشريفين السلطان الغازي عبدالمجيد خان بن السلطان الغازي" وفي شماله "محمود خان بن السلطان عبدالحميد خان بعدما وهن الميزاب الذي جدده جده السلطان الأعلى أحمد خان عليه رحمة المنان سنة 1021هـ اللهم رب هذا" وتحته "البلد الحرام أيد بقاء دولة الإسلام ما طاف ببيتك الأنام واحفظه من جميع الآلام بجاه نبينا محمد عليه الصلاة والسلام وهذا التجديد سنة ثلاث وسبعين ومائتين وألف هجرية" وقد بقي هذا الميزاب حتى تم استبداله بأمر خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز سنة 1417هـ.
ولم يكتف الميزاب بالتغيير فقط فيذكر لنا التاريخ شيئا من ترميمه وإصلاحه وتزيينه كذلك ومن ذلك ما قام به الخليفة الأموي الوليد بن عبدالملك سنة 91هـ حيث بعث إلى واليه في مكة المكرمة خالد بن عبدالله القسري بـ 30 ألف دينار ذهبا ضربت صفائح لكي يضرب منها جزء على ميزاب الكعبة فيقال إنه أول من ذهب ميزاب الكعبة كذلك قام الأمير سودون باشا بتحلية الميزاب سنة 781هـ كما تم إصلاحه في شهر رمضان من سنة 814هـ وكذلك سنة 822هـ وسنة 901هـ حيث فك من موضعه وأعيد إليه بعد إصلاحه على يد الباشا إينال الفقيه الحسني وبعض خدمه ومماليكه كما أصلحت مساميره سنة 1377هـ واستبدل خشبه بخشب آخر أقوى من السابق وكذلك رمم سنة 1403هـ.
ويصف لنا الأزرقي في القرن الثالث الهجري ميزاب الكعبة فيقول "وميزاب الكعبة في وسط الجدر الذي يلي الحجر بين الركن الشامي والركن الغربي يسكب في بطن الحجر وذرع طول الميزاب أربعة أذرع وسعته ثمانية أصابع في ارتفاع مثلها والميزاب ملبس صفائح ذهب داخله وخارجه وكان الذي جعل عليه الذهب الوليد بن عبدالملك"
ويشار إلى أن طول الميزاب الذي صنعه السلطان أحمد خان 168سنتمترا وعرضه 15سنتمترا بينما الميزاب الذي صنعه السلطان عبدالمجيد والذي يوافقه الميزاب الحالي المصنوع سنة 1417هـ في المقاسات يبلغ طوله 258سنتمترا منها 58 سنتمترا داخل جدار الكعبة وعرضه 26 سنتمترا وارتفاع جانبيه 23 سنتمترا.
ومما يذكر حول الميزاب أنه حينما تم تركيب الميزاب الذي أمر بصنعه السلطان سليمان القانوني سنة 959هـ أراد أخذ الميزاب القديم فاعترض بنو شيبة فعوضوا بوزنه فضة فقدر بألفين وثمانمائة درهم فضة.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من المشراق