المشراق

خليفة هوميروس صاحب زوربا الإغريقي

كيف يستطيع 15 مليونا من اليهود حشر أنفسهم في هذه الأرض، لن تجدوا الأمن هنا، فخلفكم - وهذا هو الذي يجب ألا تنسوه أبدا - جموع من العرب السمر الأشداء. حقيقة انطلقت مدوية عام 1926 على لسان أحد أهم الأدباء اليونانيين في القرن العشرين، إن لم يكن أهمهم على الإطلاق! خليفة هوميروس المرشح للفوز بجائزة نوبل عام 1956م، الروائي والأديب العالمي نيكوس كازانتزاكيس صاحب "زوربا الإغريقي" و"الإخوة الأعداء" وغيرهما كثير من الروائع التي أثرت الأدب والإنسانية في العالم، هذا الأديب الذي يبدو أننا ما زلنا حتى اليوم نصر على خذلناه، الذي قد يكون موقفه الداعم لقضية العرب الأولى فلسطين من أحد أهم الأسباب التي أدت إلى استبعاد فوزه بجائزة عالمية كجائزة نوبل. #2# ولد كازانتزاكيس ـــ أو كازنتزاكي على الطريقة اليونانية ـــ عام 1885 في جزيرة كريت لأسرة عريقة ومحافظة، وكان الابن الوحيد في الأسرة الصغيرة المكونة إضافة إلى الأب الحازم والأم الحنون من أختين اثنتين فقط، حصل كازانتزاكيس على شهادة في الحقوق من جامعة أثينا، ثم درس الفلسفة في باريس لدى الفيلسوف الفرنسي الشهير هنري بيرجسون، الذي ترك في حياته أثرا بالغا، ثم أكمل دراسته في مجال الأدب والفنون في سنوات أربع قضاها مرتحلا ما بين ألمانيا وإيطاليا القريبتين. مؤلفاته تنوعت ما بين الفلسفة والشعر والأدب بأنواعه المختلفة، هذا إضافة إلى تلك الأعمال التي سجل فيها خواطره وملاحظاته أثناء رحلاته لبلدان بعيدة ونائية مثل إسبانيا، إنجلترا، روسيا، مصر، فلسطين، الصين، واليابان، تلك الرحلات التي كان يبحث فيها بحماس شديد عن الكنوز المخبوءة لهذا العالم وعن حقيقته. لكازانتزاكيس عديد من الروايات أشهرها كما ذكرنا "زوربا الإغريقي"، "الإخوة الأعداء"، و"الإغواء الأخير للمسيح"، التي حرمته الكنيسة بسببها من القداس بعد الموت، و"تقرير إلى جريكو"، هذا وله ثلاث قصائد كبرى هي ترتسينس والسونيتات وأهمها الأوديسة التي وضعها على نمط أوديسة هوميروس، لكن بشخصية عوليس الإنسان المعاصر، واستغرقت منه 12 عاما في كتابتها. كازانتزاكيس إنساني النزعة ــــ إنساني بالفطرة، يتضح ذلك منذ القراءة الأولى لأي من مؤلفاته التي نلمس فيها جليا خطا متصلا لتأثيرات ثقافية متنوعة، بدءا من الأساطير والعقائد القديمة إلى الأفكار الواقعية في أحدث صورها. مؤلفات كازانتزاكيس دعوة إلى الحياة، أن تناضل من أجل حياة أفضل، من أجل الوصول إلى الطور الأنبل للإنسانية، لقد عبر كازانتزاكيس عن إنسان هذا العصر بكل ما يعتمل في داخله من صراع وقلق وطموح وخوف وخير، كما استمد من التاريخ الإنساني المليء بالصدامات والاختلافات البشرية الملامح الأبرز لشخصياته، يتضح ذلك جليا في أعماله الروائية، تلك الأعمال الفذة التي سطرها بلغة شاعرية عالية وتصوير مرهف، فحولها إلى ملاحم أدبية خالدة تجسد صراع الإنسان الأبدي، من أجل تطويع هذه الحياة وتطويعه الأنبل لها. وقد كان لكازانتزاكيس موقف خاص من اليهود، فها هو يخاطبهم في كتابه "رحلة إلى فلسطين" الذي يعتبر أخطر وثيقة مناهضة للصهيونية يكتبها روائي ومفكر عالمي في أوائل القرن العشرين قائلا "الشتات هو وطنكم، لا جدوى من الهرب من قدركم، والبحث عن السعادة والأمن في هذا البلد النائي، آمل لأنني أحب اليهود أن يتمكن العرب عاجلا أم آجلا من طردكم من هنا، وأن يعيدوا تشتيتكم في هذا العالم". هذا ويقدم لنا كازانتزاكيس في نفس هذا الكتاب وصفا رائعا للأجواء الروحانية التي احتوته أثناء زيارته مسجد عمر بن الخطاب ـــ رضي الله عنه ـــ في القدس قائلا "بعد أن أيدت الأفكار المسيحية التي تدعو إلى ازدراء الأرض وتركها خلفنا، وجدت مسجد عمر هذا يوفق بين قلبي وروحي ويغمرني بالهدوء.. فأخذت أسير وأنا أنبض بالبهجة وأرتعش أمام التوقعات، وهذه هي الطريقة التي سيعبر بها المسلمون المؤمنون ظلمة ما بعد الموت إلى جنان الله الباردة، كثواب عادل لهم". عمل كازانتزاكيس مديرا في اليونسكو كما تولى لفترة قصيرة من حياته وزارة التعليم في بلاده عام 1945م قبل انسحابه التام وتفرغه للكتابة ثم وفاته في ألمانيا عام 1957 عن عمر يناهز الثانية والسبعين. أخيرا فإن كازانتزاكيس كان إنسانا حرا ومنشقا شغوفا بالحقيقة والإنسان.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من المشراق