التطوير العقاري المؤسسي .. و«النزع الأخير»

تواجه بلادنا اختلالا في هيكلة التطوير العقاري عموما والإسكاني منه على وجه الخصوص، حيث يسود التطوير الإسكاني الفردي (أكثر من 90 في المائة) على حساب المؤسسي (أقل من 10 في المائة) ما أدى إلى مشاكل كثيرة لا تعد ولا تحصى منها ارتفاع تكلفة المساكن وضعف جودتها وسرعة تهالكها وانخفاض قيمتها وارتفاع تكاليف صيانتها ما يجعل المؤسسات المالية تحجم عن تمويل الراغبين في شرائها لكونها لا تمثل ضمانا حقيقيا للممولين يمكن الرجوع له عند تعثر مشتريها من المواطنين بالتقسيط لسنوات طويلة تمتد لعشرين سنة وأكثر.
ينقسم المطورون الأفراد إلى مطورين لمساكن بكميات قليلة بهدف البيع أو مطورين لمسكن خاص للاستخدام الشخصي، وبالنسبة للمطور الشخصي عادة ما يقع في مشاكل فنية كثيرة رغم حرصه على استخدام المواد والعمالة الجيدة وحرصه على المصنعية كذلك إلا أن خبرته لا تسعفه فيكون ضحية لجهله ونصب واحتيال الآخرين فيدفع كثيرا مقابل جودة ضعيفة، وأما بالنسبة للمطورين الأفراد بهدف البيع فهؤلاء يستهدفون تحقيق أعلى هامش ربح دون الحرص على صورتهم وسمعتهم فهم ليسوا شركات يهمها زيادة قيمة علامتها التجارية، ولذلك يستخدمون المواد البراقة الأقل تكلفة، ولا يستطيعون استقطاب التمويل اللازم من جهات تشترط جودة المنتج لتضمن تسويقه، وكذلك لا يستطيعون بناء شراكات طويلة الأجل مع الموردين والمقاولين والاستشاريين الهندسيين للحصول على جودة عالية وأسعار معقولة.
المطور العقاري المؤسسي الذي يطور كميات كبيرة من المساكن في بلكات على أراض مطورة من الغير أو يطور كميات من المساكن على أراض يطور بنيتيها التحتية والعلوية يستطيع إنتاج وحدات سكنية عالية الجودة متعاظمة القيمة بمرور الزمن وبأسعار متناولة لأنه يلبي متطلبات التمويل من قبل المؤسسات المالية أو من قبل الصناديق العقارية التي تشترط وجود مكتب هندسي إشرافي لضبط الجودة للتأكد من نجاح عمليات البناء والتسويق في الزمن المحدد، كما أنه يستهدف بناء صورة وسمعة لدى المشترين ولدى مموليهم، حيث إن كثيرا من الجهات التي تمول الأفراد الراغبين في شراء مساكن لهم من خلال برامج التمويل العقاري التي تقدمها تلك الجهات تحجم عن تمويل المساكن المطورة من شركات ذات سمعة سيئة في جودة التطوير لكون المساكن الممولة تمثل الضمان الأساسي في عملية التمويل.
صناعة التطوير العقاري مرتبطة ارتباطا وثيقا بصناعة التمويل بشقيه تمويل المطورين وتمويل المشترين، وصناعة التمويل العقاري مرتبطة بتطور أنظمة التمويل من خلال الأوراق المالية سواء السندات أو الصناديق الاستثمارية، ولا شك أن هيئة السوق المالية من خلال لائحة الصناديق العقارية دعمت التمويل العقاري للمطورين الأمر الذي حفز لنشأة مزيد من شركات التطوير العقاري ونموها شيئا فشيئا لتنمو هذه الصناعة ولتزيد حصة المطورين العقاريين المؤسسيين على حساب الأفراد وهو أمر صحي وأدى لتطوير أعداد كبيرة من المساكن عالية الجودة التي تعاظمت قيمتها بمرور الزمن ولم يعان ملاكها تكاليف الصيانة الباهظة كتلك التي يعانيها من اشتروا مساكنهم من المطورين الأفراد.
ارتفاع أعداد المطورين المؤسسيين أدى بالتبعية لارتفاع جودة ومهنية المقاولين والعمالة والمكاتب الهندسية الاستشارية، حيث إن المطورين يحثونهم على الأداء الأفضل باستخدام أحدث منهجيات إدارة المشاريع P.M.O لضبط التكلفة والجودة والوقت لكي يتمكنوا من المنافسة والإنجاز في الوقت المحدد تحت ضغط الممولين، كما أدى في الوقت ذاته إلى ارتفاع الذوق العام وتحسن واجهات المساكن والاستخدام الأمثل للمساحات مع الأخذ بعين الاعتبار الأبعاد الاقتصادية والصحية والاجتماعية والنفسية للمسكن إضافة لكونه مأوى لأفراد الأسرة، وكل ذلك ينعكس إيجابا على جودة حياة المواطنين وإنتاجيتهم.
ارتفاع أعداد المطورين المؤسسيين أدى بالتبعية لارتفاع نسبة التمويل العقاري للمطورين وللمشترين حيث توسعت المصارف وشركات التمويل العقاري في هذا النوع من النشاط التمويلي ومن المتوقع أن تنتعش سوق السندات المدعومة بالأصول العقارية شيئا فشيئا متى ما زادت نسبة المساكن المطورة من خلال المطورين المؤسسيين الذين توقف نموهم في عام 2014 تقريبا حيث بدأت السوق العقارية تعاني بشكل كبير الضبابية مجموعة من المعوقات التي أدت لخروج المطورين الأفراد بسرعة كبيرة ودفعت وما زالت تدفع بشكل كبير المطورين المؤسسيين للخروج من السوق حيث توقفوا عن تطوير مشاريع إسكانية جديدة واكتفوا باستكمال ما بدأوه والعمل على تسويقه ومن ثم مغادرة السوق.
أحد المطورين يقول نسمع عن دعم التطوير المؤسسي ونرى العكس تماما فالتمويل العقاري للمطورين والمشترين أصبح في حكم الصعب إن لم يكن في حكم المستحيل، والترخيص للمشاريع يأخذ أوقاتا طويلة تستمر لشهور وسنوات خصوصا إذا كان التطوير شاملا وليس فقط لتطوير عدد من الفلل في بلكات على أراض مطورة سابقا، خدمات الكهرباء والماء وتكاليفها تحمل على المطور للمساكن ولا تحمل على المطور للأراضي وهذا يدفع التوجه إلى تطوير الأراضي بدلا من تطوير المساكن، الهيئة العامة للزكاة والدخل تفرض وعاء زكويا يكلف المطورين أموالا تقضي على أرباحهم وتأخذ من رأس المال لأسباب تتعلق بمعايير الأصول المتداولة وغير المتداولة والزكاة على الديون، ورغم أن وزارة الإسكان تحركت لمعالجة كل ذلك إلا أنه لا نتائج تذكر.
وبالتالي فإن الاستثمار في مجال التطوير العقاري للمساكن وهو استثمار طويل الأجل أصبح عالي المخاطر ومحفوفا بالمعوقات أكثر من المحفزات، ولذلك فالخروج من هذا المجال هو الحل المناسب ما لم تتدخل الدولة بشكل سريع لمعالجة هذه العوائق من جذورها حلا منطقيا يشجع المستثمرين على الاستثمار في مجال تطوير المساكن وبيعها أو تأجيرها.
ختاما "بكل تأكيد نشوء ونمو صناعة تطوير عقاري مؤسسي متزامنة مع صناعة تمويل عقارية أخذت وقتا طويلا واستبشر الجميع خيرا بنشأتها ونموها وإن كانت بشكل بطيء، وعلينا أن نتدارك هذه الصناعة وهي في النزع الأخير قبل أن تموت إذ تتطلب إعادتها إلى ما وصلت إليه سنوات طويلة".

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي