المملكة تسبق «منظِّري» تغير المناخ

|
السعودية باعتبارها دولة محورية ذات خبرة، دائما تقود تنسيق الجهود والتعاون الإقليمي والدولي، وتتحمل العبء الأثقل بمكانتها في أسواق النفط، الذي يعتبر أحد المحاور الرئيسة لاتفاقيات تغير المناخ. المملكة بمناخها الجاف غير معرضة بشدة للآثار السلبية لظاهرة الاحتباس الحراري ولا الآثار الأخرى الناجمة عن تغير الظواهر الجوية المتطرفة للمناخ، ناهيك من اقتصاد المملكة سريع النمو، الذي يشهد تسارعا واضحا في الطلب على الطاقة، وليس من السهل التنبؤ بمسار الانبعاثات في المملكة في الـ15 سنة المقبلة، لأنه يعتمد على العوامل المستقبلية للطلب المحلي على النفط والغاز، والنمو السكاني. وتأتي أبرز نقاط الخلاف في قمة تغير المناخ الأخيرة بباريس COP21 هو تجاهل المجتمع الدولي بضرورة اعتماد المرونة في استخدام الطاقة لضمان استمرار نمو الاقتصاد والصناعة وتحقيق الأهداف والخطط الاستراتيجية، إضافة إلى عدم وفاء الدول الصناعية بما قطعته من عهود سابقة تقضي بتمويل وتسهيل أنشطة نقل التكنولوجيا إلى الدول النامية، وهذا دليل صارخ على عدم احترام "اتفاقية كيوتو" كأول اتفاقية نصت على التزام صارم من الدول المتقدمة بالقيام بمشروعات في الدول النامية بغرض مساعدتها على الوفاء بمتطلباتها التنموية المستدامة، بل وعلى العكس، فالدولة الصناعية تعمل على استمرار الضغط مستغلة تفردها بالتقدم التقني في اختلاق أرقام عبر دراسات لفرض اتفاقيات تقلص بها من إنتاج الدول النامية المصدرة للنفط. ولا بد للأمم المتحدة بدل من تركيز اهتمامها على منتجي النفط، أن تلتفت أكثر إلى محطات الفحم عند أكبر مستهلكي الفحم في العالم: الصين، الهند وأمريكا، والتمعن في العواقب الكارثية والتلوث الناتج عن استخراج النفط الصخري في أمريكا. لجأ منظرو العالم المتحضر إلى سن اتفاقيات ملزمة في مجالات كثيرة، للحفاظ على قدر مناسب لضمان استمرار الحياة على كوكبنا بوضع مثالي على حد زعمهم، هذه الاتفاقيات المحلي منها والإقليمي والدولي، أصبحت مستمسكا لكثير من الجهات، وحجة دامغة للتقيد بما يحقق رفع الضرر وجلب المصلحة، ورغم ذلك نجد بين طيات هذه التفاهمات ما ظاهره فيه الرحمة وباطنه من قبله العذاب! #2# تتنوع هذه الاتفاقيات بحسب المراد منها وتنضم لها مراكز ودول وأحيانا قارات بأكملها، وقد كانت اتفاقية كيوتو Kyoto Protocol وما بني عليها من ضمن أبرز هذه الاتفاقيات، حيث جاءت كخطوة تنفيذية لاتفاقية الأمم المتحدة المبدئية بشأن التغير المناخي (UNFCCC or FCCC)، كمعاهدة دولية تختص بالبيئة متضمنة لنتائج مؤتمر الأمم المتحدة المعني بالبيئة والتنمية (UNCED) وأهدافها للسيطرة على الغازات الدفيئة، عند مستوى لا يشكل خطرا على الحياة فوق الكرة الأرضية بسبب النشاط الصناعي. ولقد تكفل أطراف اتفاقية كيوتو من الدول المتقدمة صناعيا بالتزامات تقديم الدعم اللازم للدول النامية لتحقيق متطلبات التغير المناخي المطلوب- وهذا المحور سيكون الأهم بالنسبة لما سيطرح في هذا المقال- وذلك أن الدول المتقدمة قد تعهدت بتمويل وتسهيل أنشطة نقل وتمكين الدول النامية من التكنولوجيا الصديقة للبيئة، التي تضمن لها استمرار نموها في مجالات الطاقة والنقل والمواصلات وغيرها، دون أي أضرار على البيئة، وهذا الالتزام كان محل جدل واسع بين أطراف المعادلة، الدول الصناعية الكبرى من طرف، والدول النامية والأقل نموا من طرف، حتى كان هذا المحور من أهم نقاط الخلاف في القمة الأخيرة بالعاصمة الفرنسية باريس COP21، حيث نبهت الدول النامية المنتجة للنفط المجتمع الدولي إلى أن هناك ضرورات تحتم قدرا من المرونة في استخدام أنواع الطاقة في بلادها؛ لضمان استمرار نمو اقتصادها وصناعة وتحقيق أهدافها وخططها الاستراتيجية، إضافة إلى استنكار واضح هو محل إجماع من الدول النامية والأقل نموا، وبعض الدول الصناعية أيضا، حول احتكار الدول الصناعية للتكنولوجيا المتقدمة والآمنة في الصناعة، خاصة في مجال استخراج النفط وتصنيعه، وقد كانت السعودية في قلب هذه الاتفاقيات بما لها من أهمية في أكثر من مجال لصيق أو مباشر بهذه الاتفاقية، حيث لا يمكن أن تذكر النفط والنمو إلا وانصرف الذهن إلى أبرز فاعل في هذا المجال. ومن خلال هذا الاستنكار المستحق، يتضح جليا عدم وفاء الدول الصناعية بما قطعته من عهود تقضي، كما سبق وأشرنا إلى تمويل وتسهيل أنشطة نقل التكنولوجيا منها إلى الدول النامية والأقل نموا، وعدم تحقيق متطلبات مواجهة الآثار السلبية للتغير المناخي وتطبيق، آلية التنمية النظيفة Clean Development Mechanism ، وهذا دليل صارخ على عدم احترام "اتفاقية كيوتو" أول اتفاقية مرعية في هذا الإطار، التي نصت على التزام صارم من الدول المتقدمة بالقيام بمشروعات في الدول النامية بغرض مساعدتها على الوفاء بمتطلبات التنموية المستدامة. #3# وما يجب ذكره هنا الدور الريادي الذي قام به فرسان المملكة ذوو الخبرة العلمية والعملية في هذا المجال من تقديم خبرات في التفاوض والإقناع، مكنت من تثبيت قدمهم في هذه المحافل الدولية الكبيرة ومن تحقيق أفضل النتائج، والشيء من معدنه لا يستغرب. وما يستغرب هو ما يقع في مثل هذه الاتفاقيات من استمرار أمريكا في معارضة التصديق على هذه الاتفاقيات عبر مسارها الطويل بحجج تتفق أحيانا وتتباين أخرى، مع محاولة إلزام الدول المنتجة للبترول بالتصديق، بل والضغط الواضح لإلزامها بكل التفاصيل بحجج متنوعة، إضافة إلى سعيها المسعور في تبرئة الصناعات والتقليل من أثرها في البيئة، مع تضخيم خطر النفط وما ينتج عنه من صناعة! أليست أمريكا هي أحد أكبر مستهلكي الفحم في العالم؟! وعندما يأتي الشد فسيكون الحل على الحلقة الأضعف ضمن السلسلة، والدول الصناعية الكبرى تعلم بهذا وتعمل بمقتضاه، لذلك فهي تعمل على استمرار الضغط وزيادته، فكما نوهنا في مقال الأسبوع الماضي، فهذه الدول تقدم من الاقتراحات ما يضمن أرحب مجال لتحقيق متطلباتها، وتستغل تفردها بالتقدم التقني في اختلاق أرقام عبر دراسات لفرض واقع معين، حتى لو كان ذلك سيؤدي إلى بعض الضرر على أطراف أخرى ضمن إطار مؤتمرات تغير المناخ. ومما لا شك فيه أن الدول الصناعية الكبرى لن تكون هي الراعي الأنسب لتحقيق مصالح الدول النامية ومستقبل ورفاهية شعوبها، وذلك ببساطة، لأنه مع الأسف، فإن هذه الدول النامية لم تعمل، كما يجب لبناء تكتلات صلبة للدفاع المشترك عن حقوقها ومصالح شعوبها، التي تضمنتها المواثيق والاتفاقيات، ولأن هذه الدول تعد سوقا رائجة لمنتجات الدول الصناعية، ومخزنا استراتيجيا للمواد الأولية التي تعتمد عليها الصناعات المتقدمة في هذه الدول، لذلك تبذل الدول الصناعية الكبرى جهودا دبلوماسية جادة وأخرى اقتصادية وأحيانا عسكرية لبقاء الوضع على ما هو عليه، أو على ما هو دون ذلك، وهو زيادة التقدم الصناعي في العالم الصناعي وزيادة الحاجة في الدول النامية إلى صناعاتها. ونرجع إلى دور السعودية في هذا المعترك، الذي غالبا ما تقود عبر خبرائها المقتدرين باعتبارها دولة محورية، وذات خبرات متراكمة محاولات جادة للحد من استغلال الدول الصناعية الكبرى لحاجة الدول النامية، وتعمل من أجل ذلك في مسارات عدة من تنسيق الجهود، واستخدام كل وسائل الضغط الممكنة للحيلولة دون تطبيق مثل هذه المعايير المزدوجة والجور الواضح. #4# والمملكة بهذا تتحمل العبء الأثقل، فهي من ناحية لديها أكبر احتياطي للنفط في العالم، ويستند اقتصادها بشكل كبير إلى تصدير هذا النفط الذي يعد أحد المحاور الرئيسة لاتفاقيات تغير المناخ، ومن ناحية أخرى، المملكة بمناخها الجاف غير معرضة بشدة للآثار السلبية لظاهرة الاحتباس الحراري ولا الآثار الأخرى الناجمة عن تغير الظواهر الجوية المتطرفة للمناخ. وإضافة إلى ذلك، فإن اقتصاد المملكة سريع النمو، ويشهد تسارعا واضحا في الطلب على الطاقة، وهذا يرجع إلى الطاقة الاستيعابية لمصافي التكرير وتزايد الطلب المحلي على الوقود. المملكة تصنف كدولة نامية في محادثات الأمم المتحدة للمناخ مع أن الناتج المحلي الإجمالي للفرد فيها يعد من بين أعلى المعدلات في العالم، وبالرغم من هذا التصنيف المغاير للحقيقة، تسعى المملكة سعيا حثيثا في مجال الأبحاث والتكنولوجيا ويكفي هنا ذكر برامج "أرامكو السعودية" الطموحة للإدارة والتحكم في الكربون الذي ينتج عن استخدامات الطاقة كافة، واستغلال الطاقة الشمسية، وتحسين استخلاص استخراج النفط Enhance Oil Recovery (EOR). هذا إضافة إلى تبني الأبحاث حول التقاط الكربون وتخزينه (Carbon Capture and Storage (CCS) هذه التقنية الجديدة التي يتم من خلال تطبيقها دفن الانبعاثات الكربونية تحت طبقات الأرض بدل من ضخها في الغلاف الجوي. وقبل ذلك كله، اتخذت المملكة إجراءات استباقية سبقت بها المؤتمرات الأخيرة لمنظري تغير المناخ، عندما اتخذت خطوات جادة لترشيد استهلاك الطاقة من خلال مبادرات سيادية، مثل إطلاق برنامج الكفاءة الوطنية للطاقة عام 2008 وإنشاء مركز كفاءة الطاقة السعودي عام 2010، وفي عام 2010 أيضا، أنشأت المملكة وبمرسوم ملكي مدينة الملك عبد الله للطاقة الذرية والمتجددة. وعمدت المملكة إلى الانضمام لكل الحراك الدولي في إطار البحث عن بدائل للطاقة تكون صديقة للبيئة فانضمت لعضوية المنتدى القيادي لعزل الكربون منذ عام 2005. وانضمت إلى مبادرة الميثان العالمية في عام 2013 وتشارك بفاعلية في مبادرة الأربع مملكات لالتقاط الكربون وتخزينه، (المملكة المتحدة، هولندا، النرويج، والمملكة العربية السعودية). التنبؤ بمسار الانبعاثات في السعودية على مدى السنوات الـ15 سنة المقبلة، ليس من السهل توقعه لأن ذلك يعتمد على كثير من العوامل التي لا تنحصر فيما يمكن توقعه بالدراسات المستقبلية والتنبؤات، مثل الطلب على النفط والغاز المحلي والدولي، والنمو السكاني. ورغم ذلك نجد أن العالم الغني ودوله الصناعية الكبرى يتردد في الوفاء بالتزاماته في تمكين الدول النامية من التكنولوجيا اللازمة لمساعدتها في الانتقال إلى نموذج اقتصادي أكثر نظافة. ويبقى التساؤل هنا، إلى أي مدى وسرعة يمكن أن تساهم الدول الغنية والصناعية الكبرى بالمساعدات النقدية والخبرات اللازمة للحد من الانبعاثات في البلدان النامية، رغم توفر كل السبل والتشريعات اللازمة لتلك النقلة. وكما أسلفنا فهذه واحدة من القضايا الشائكة والعالقة، التي لم تحل في محادثات الأمم المتحدة. تحقيق طموحات تغير المناخ بالجملة مع احتكار التقنية الآمنة من قبل الدول التي تمتلكها لا شك أنه سيؤثر في اقتصاد الدول النامية المصدرة للنفط، وسيقلل من عائدات تصدير النفط، التي تعد من أهم ركائز الدخل، إضافة إلى ما صرحت به من إجراءات تضمنتها الخطة، التي تقدمت بها لقمة باريس، التي جاء فيها السعي إلى تحقيق خفض طموح للكربون سنويا بحلول عام 2030 من خلال تنويع الاقتصاد وتعديله، ما يحتاج إلى تكثيف الجهود لامتلاك كل التكنولوجيا الضرورية للاستفادة من أهم ركائز اقتصادها، والعمل على صد تلك الحملات المتتالية على هذا المنتج مباشرة تارة وتارة أخرى على الدول المنتجة له والمعتمدة على عوائد تصديره والصناعة القائمة عليه. ولا بد للأمم المتحدة- بدل من تركيز اهتمامها على منتجي النفط- أن تلتفت أكثر إلى محطات الفحم الحالية القائمة والمخطط لبناء أخرى منها في الهند والصين، والمحطات الأمريكية لتوليد الكهرباء من الفحم التي تنتج 33 في المائة من احتياجاتها من الكهرباء. محطات الفحم هذه من المؤكد أنها ستقضي على أهداف الأمم ومساعيها في التخفيف من آثار الانبعاثات، وأن تستخدم كل صلاحيتها في كبح جماح الأطراف التي تسعى إلى تسييس كل الجهود والمتغيرات لتأتي على مصالحها الضيقة، هكذا يمكن أن تقنع العالم أنها هيئة مستقلة، تتعامل بواقعية وإنصاف مع كل متطلبات الدول الأعضاء فيها، أما مجرد اجترار ما تكرره الدول الصناعية الكبرى حول المناخ ومستقبل الأرض وشيطنة النفط (البتروفوبيا)، فهو مجرد كلام لن يغير من واقع الأرض شيئا.
إنشرها