أخبار اقتصادية

مختصون دوليون: لندن لن تفقد مركزها المالي الأول في العالم

هل يمكن للندن أن تخسر مركزها المالي العالمي في أعقاب الاستفتاء الذي صوت فيه الناخب البريطاني لمصلحة الخروج من الاتحاد الأوروبي؟ أم أن تلك المخاوف لا أساس لها من الصحة؟ وإذ خسرت العاصمة البريطانية هذا الموقع فما سيكون البديل لها باعتبارها المركز المالي الأول عالميا؟ هل ستخسر لندن موقعها لمصلحة إحدى المدن الأوروبية أم أن هذا المركز المهم يمكن أن ينتقل إلى خارج القارة الأوروبية برمتها؟ ولماذا يتعهد قادة مجموعة من كبريات المؤسسات المالية في العالم بدعم لندن للحفاظ على موقعها المالي؟ هل الأمر ضربة استباقية وإنذار للآخرين بعدم تحدي لندن أو المساس بتفردها في مجال النظم المالية والمصرفية؟ أم أنه يعكس مخاوف حقيقية بأن لندن بمفردها لم تعد قادرة على مواجهة التحديات القادمة من لاعبين آخرين أكثر رشاقة وثراء واستعدادا للمغامرة، وأن عاصمة المال بدأت تشيخ وفي حاجة إلى دعم المؤسسات المالية الدولية للحفاظ على مكانتها التقليدية في عالم المال والأعمال. عدد من المصارف الاستثمارية العالمية ذات الوزن الثقيل مثل "جولدن ساش"، و"ستاندر شارتر"، و"جي بي مورجان"، أعلنت وبشكل رسمي تعهدها بمساعدة العاصمة البريطانية في الحفاظ على موقعها باعتبارها المركز المالي الأول في العالم، رغم إمكانية خروجها من الاتحاد الأوروبي، وما نجم عنه من مخاوف بانسحاب عدد كبير من الخبرات العاملة في مجال المال من لندن وانتقالها إلى مدن أوروبية أخرى ومن بينها باريس وفرانكفورت وروما. سو كيجان المختصة المصرفية والاستشارية في اتحاد المصارف العالمية، تعتبر أن البيان الذي أصدره قادة المؤسسات الثلاث، بالتنسيق مع وزير المالية البريطاني جورج أوزبورن يكشف عن شعور كبير بالقلق، لدى المؤسسات المالية البريطانية ولدى القيادة السياسة والاقتصادية، بأن لندن تواجه تحديا خطيرا يتعلق بمكانتها المالية مستقبلا. وتوضح لـ "الاقتصادية"، أن بريطانيا تتمتع بلا شك بنظام قانوني مستقر، وهذا أمر أساسي بالنسبة للمؤسسات المالية لتكون قادرة على العمل والتطور، كما أن القوى العاملة في مجال المال في بريطانيا تتمتع بكفاءة وخبرات يصعب أن توجد في العديد من العواصم الدولية والمراكز المالية الكبرى، أما بالنسبة للسيولة المالية وهي إحدى المميزات التاريخية للسوق في بريطانيا، فإنها تتراجع حاليا، خاصة مع بروز لاعبين دوليين حتى من خارج القارة الأوروبية لديهم سيولة مالية لربما تفوق ما لدينا. وتضيف سو كيجان أنه يصعب توقع أن ينجح أحد في طرح نفسه كمركز مالي بديل للندن، وأن يحتل المرتبة الأولى سريعا، ولكن ما يدركه أوزبورن جيدا أنه إذا اتخذ قرارا واضحا بخروج المملكة المتحدة من عضوية الاتحاد الأوروبي، فسنشهد صعودا لمراكز مالية أوروبية أبرزها فرانكفورت، ولن تحتل مكانة لندن ولكن ستستقطع كثيرا من قدرات المدينة المالية، باعتبارها المركز المالي العالمي الأول، وفي غضون عقدين أو ثلاثة لربما تفقد لندن تلك المرتبة الفريدة. لكن ما يثير دهشة البعض أن التزام تلك المؤسسات الدولية بدعم لندن، لم يترافق مع أي تعهد بعدم نقل بعض الوظائف من مراكزها في العاصمة البريطانية إلى مدن أوروبية أخرى، وهو ما سبق أن حذر منه قادة تلك المؤسسات قبل الاستفتاء، إذ حذر الرئيس التنفيذي لبنك مورجان ستانلي قبل الاستفتاء بأنه إذا خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي فسيقوم بنقل أربعة آلاف وظيفة من المملكة المتحدة إلى أوروبا، وهو ما يوازي نحو 25 في المائة من القوى العاملة لدى البنك في بريطانيا. وكانت دراسة استقصائية عن المصارف الرئيسية حول العالم قامت بها مجموعة بوسطن للاستشارات، قد أشارت إلى أن العديد من المصارف والمؤسسات المالية العاملة في لندن يمكن أن تغادر إلى القارة الأوروبية، وبما يؤدي إلى انهيار في النظام المصرفي البريطاني يوازي ما حدث في الأزمة المالية عام 2009، ومع هذا، فإن عددا من المختصين يعتقدون أن المخاوف بشأن إمكانية أن تفقد بريطانيا مركزها المالي بعد الاستفتاء الأخير مبالغ فيها، وأنه يصعب حتى تصور أن يهتز مركزها هذا. ويقول لـ "الاقتصادية"، الدكتور وليم جيمس أستاذ النظم المصرفية في جامعة بولتن، إن البعض يختزل النظام المالي بتعقيداته في عملية الإيداع المصرفي، ولكن عندما نجد أن 41 في المائة من المعاملات المالية للتجارة العالمية تمر عبر المملكة المتحدة أي ما يعادل 2.7 تريليون دولار، تليها الولايات المتحدة بنحو 19 في المائة فقط ثم سنغافورة 5.7 في المائة واليابان 5.6 في المائة وهونج كونج 4.1 في المائة، فإننا ندرك أن الفارق بين بريطانيا التي تحتل المرتبة الأولى والولايات المتحدة التي تقع في المرتبة الثانية كبير للغاية، بينما لا توجد مدن أوروبية يمكنها أن تنافس المملكة المتحدة في خدمة المعاملات المالية للتجارة العالمية. وأشار جيمس إلى أن الخروج من الاتحاد الأوروبي قد يدفع بعض المؤسسات المالية العاملة في لندن، إلى إعادة التموضع أو نقل بعض موظفيها إلى أوروبا، ولكن المركز الرئيسي لتلك المؤسسات حيث تتخذ القرارات سيظل في لندن، كما أن النظام المالي يرتبط بالجانب القانوني بشكل واضح وأغلب الصياغات الخاصة بالقانون الدولي تعتمد على اللغة الإنجليزية، وهذا يضيف عاملا آخر يعزز موقع المملكة المتحدة المالي. وبالفعل فإن البعض يعتقد أن الانسحاب البريطاني قد يعزز وضعها باعتبارها عاصمة المال في العالم، إذ سيسمح الخروج من النادي الأوروبي بالخلاص من التعقيدات البيروقراطية لبروكسل، ويمنح المشرع البريطاني مرونة أكبر في صياغة قوانين أكثر جاذبية للمؤسسات المالية الدولية. ويقول لـ "الاقتصادية"، صامويل بار الباحث الاقتصادي إن الفرق بين المركز المالي الذي تتمتع به لندن والمراكز المالية الأوروبية وغير الأوروبية الأخرى، أنها جميعا مراكز مالية ذات صبغة إقليمية أكثر من كونها مراكز مالية عالمية مثل لندن، فمثلا بورصة فرانكفورت التي يعتبرها البعض المنافس القادم للندن لم يزد عدد المتابعين لها أكثر من 700 ألف متابع، بينما عدد المتابعين لبورصة لندن 8.7 مليون متابع، ومع هذا فإنه يمكن القول بأنه على الأمد القصير لن يتراجع المركز المالي للندن، وفي المدى المتوسط ستحقق بورصة نيويورك مكاسب وتعزز موقعها في المنظومة المالية العالمية، أما على الأمد الطويل فإن بورصات آسيا ومجموعة المصارف الآسيوية العالمية لربما تسحب البساط من تحت أقدام الآخرين.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من أخبار اقتصادية