المحاسبة الحكومية على برنامج التحول الوطني

|
أقر مجلس الوزراء البارحة الأولى برنامج التحول الوطني، وهو عبارة عن خطة استراتيجية متضمنة لعدد 178 هدفا استراتيجيا تتكون من 543 مبادرة تبنتها 24 وزارة تستهدف تحقيقها خلال أربع سنوات، وكل مبادرة تتضمن معايير قياس وأيضا ميزانية خاصة بتنفيذ المبادرة وهذا هو الأهم، حيث بلغت تكلفة البرنامج الإجمالية المتوقعة خلال السنوات الأربع المقبلة مبلغ 270 مليار ريال تقريبا. والسؤال المهم الذي قد يتبادر إلى أذهان كثير من المختصين بالذات "وغير المختصين"، هو كيف ستتم المحاسبة على هذه المبادرات في المالية العامة للدولة؟ والسبب في هذا التساؤل هو أن المملكة تطبق نظام المحاسبة الحكومية القائمة على نظرية الأموال المخصصة، فهي نظرية تطبق في المملكة على اعتبار المال العام وحدة محاسبة واحدة يتم إعداد التقارير المالية عن الأحداث الاقتصادية المرتبطة بهذا المال، ومن أجل المحاسبة على هذا المال تم إعداد الموازنة العامة للدولة كل عام، حيث تقوم كل وزارة بتحديد مصروفاتها وإيراداتها، لكن ليس معنى ذلك أن تصبح مصروفاتها خاصة بها بل هي خاصة بالمال العام ككل ولهذا تصدر بيانات الميزانية العامة للدولة في نهاية كل عام بمجموع المصروفات بغض النظر عن الجهة التي قامت بالصرف، كما أن المحاسبة الحكومية تعتقد بعمومية الإيرادات، أي أن الإيرادات التي تحققها وزارة معنية لا تذهب لأجل تمويل مصروفاتها هي بل هي تصرف على مجموع الوزارات بحسب أولوية الطلب. والسؤال المطروح في هذا المقال هو كيف ستتم المحاسبة على المبادرات التي ستبلغ قيمتها 270 مليار ريال، ضمن حسابات هذا المال العام بينما هي ستنفذ في وزارات مختلفة ولهذه الوزارات أيضا مصروفات مختلفة عن البرنامج، سنأخذ أمثلة على بعض المبادرات لتوضيح المسألة، فوزارة العدل حددت المبادرة الأولى بالعمل على إبراز مميزات القضاء السعودي ونشر الثقافة العدلية وحددت تكلفة هذه المبادرة على مدى السنوات الأربع بمبلغ 377 مليون ريال، هنا لا توجد تفاصيل حول كيفية حساب هذه التكاليف ولهذا سنأخذ عدة تصورات لمعالجتها محاسبيا في حسابات المال العام، الأول أن تنفيذ هذه المبادرة ستتم من خلال تكليف القطاع الخاص بعقد لنشر الثقافة العدلية، وهنا ستتم معاملة هذا المصروف ضمن مشروعات الباب الرابع لأنه مشروع عقد مستمر سيستغرق تنفيذه أربع سنوات، وسوف يدرج مخصصاته ضمن ميزانية العام المقبل لاعتمادها من مجلس الوزراء، ومن ثم سيتم الدفع على المشروع حسب نسب الإنجاز فيه بناء على العقد المتفق عليه، بهذا التصور تبدو الأمور سهلة لكن ليس كل المبادرات المشار إليها في البرنامج يمكن تنفيذها على شكل عقود في الباب الرابع. فبعض المبادرات تم تحديد تكلفتها على أساس أعمال يقوم بها موظفو الوزارة مثل مبادرة إلغاء القيود التجارية على النقل بالشاحنات والنقل الجوي "من مبادرات وزارة النقل تقدر تكلفته بـ 23 مليونا" فإن تكاليف هذا المشروع لا يمكن أن تغطى من خلال عقد مع مقاول بل ستوزع على الأبواب المختلفة للميزانية، فإذا كانت هناك مكافآت فإنها ستدرج ضمن الباب الأول ويجب توزيع مكافآت المشروع على حسب مستحقات كل عام، وإذا كانت هناك مصروفات سفر وانتقال ومصروفات طباعة مثلا فإنها ستكون محل أعمال الباب الثاني وأيضا لا بد من تخصيص مصروفات كل عام نظرا لأن مبالغ هذه البنود لا ترحل للسنوات التي تليها، وأي وفر يتحقق فيها يعود إلى الخزانة العامة للدولة، وفي هذه الحالة فعلى كل وزارة مسؤولة عن كل مبادرة توزيع مصروفاتها على سنوات التنفيذ من الآن وأن تحدد البنود وحصة كل بند من المصروفات في كل سنة. ويجب التنبه بأن كل مشروع يجب إلا يتضمن أي بند من بنود الرواتب وما في حكمها كالبدلات. فمثلا مبادرة وزارة النقل التي حدد لها مبلغ 23 مليونا، فإنه يجب إعادة توزيع هذا المبلغ على البنود التي تحتاج إليها الخطة، حيث لا يتضمن ذلك رواتب أو بدلات خاصة، ولكنه قد يتضمن مصروفات سفر (بمبلغ خمسة ملايين مثلا)، هذا المبلغ يجب أن يضاف إلى المبالغ الأخرى في بند مصروفات السفر الذي قد يبلغ في الإجمالي مثلا (30 مليون ريال) وهي مبالغ تخص مشاريع أخرى للوزارة بعضها قد يكون ضمن مبادرات التحول الوطني وبعضها الآخر ضم مشاريعها المعتادة. المشكلة المحاسبية تظهر في كيفية متابعة بند المصروفات السفرية هذا، حيث نضمن أن صرف مبلغ خمسة ملايين تم على برنامج التحول وليس على غيره، وأن يتم تخصيص كل مبلغ على مبادرته الخاصة به، فالنظام المحاسبي في المالية السعودية لا يمكن من هذا التحليل المتقدم، وليس هناك ما يدعمه حتى في النظرية الأساسية التي تقوم عليها المحاسبة الحكومية في المملكة. فالصرف من أي بند يتم حسب أولوية الطلب من الإدارات ويتم الارتباط عليه والرفع إلى وزارة المالية بذلك التي تقوم بالصرف بعد ذلك، ولا توجد أي طريقة محاسبية (بل حتى غير محاسبية) تضمن تخصيص مبالغ لمشاريع معينة داخل البنود أو تحديد أولويات الصرف، أو حتى معرفة البرنامج الذي يتم الصرف عليه. وهذا معناه أن بعض مشاريع الوزارة غير المشاركة في مبادرات التحول الوطني قد تستهلك ميزانية الوزارة من جانبها قبل أن يتم الصرف على برنامج التحول الوطني، وقد تعود الوزارات إلى طلب المناقلة بين البنود من أجل تغطية عجز بعضها. إذا كان هذا المسار هو الذي سيتبع فإني لا أعرف مدى التداخل بين التشريعات القائمة حاليا وبين حوكمة "الرؤية"، فتعليمات الميزانية التي تعد تشريعا سنويا يصدر بها مراسيم وقرارات وزارية، سوف تصطدم بحوكمة "الرؤية" فيما يتعلق بالمناقلة بين الأبواب وبالبنود، فمثلا إذا ظهر عجز في أحد البنود المرتبطة ببرنامج التحول الوطني نظرا لمشاكل الصرف على مشاريع الوزارة الأخرى، التي أشرت إليها أعلاه ولم يتوافر بند آخر للمناقلة، أو لا يرغب الوزير المختص في التأثير على البنود الأخرى، ويريد المناقلة بين الأبواب لدعم مشروع التحول الوطني فهل يعود إلى وزارة المالية أم إلى اللجنة المالية في حوكمة "الرؤية". هناك سيناريو ثالث متبع للمحاسبة وهو على غرار برنامج التعاملات الإلكترونية الحكومية (يسر)، فمشاريع الوزارات لتطوير التعاملات الإلكترونية تتم من خلال اعتمادات مشاريع على الباب الثالث تتم ترسيتها على برنامج (يسر) بعقود والبرنامج يتولى التنفيذ من خلال عقود خاصة، ثم ترفع المستخلصات بعد التنفيذ من قبل الجهة إلى وزارة المالية لتقوم الوزارة بالدفع إلى برنامج يسر، وهذا حل ممكن لبعض المبادرات لكن مرة أخرى ليس قابلا للتطبيق على المبادرات كافة. هناك حل محاسبي يقضي بإنشاء مال خاص بإيراداته ومصروفاته للمحاسبة على برنامج التحول الوطني 202 وهذا حل صعب ومكلف، ولكن هناك حل بسيط قد يساعد على حل هذه الإشكاليات إن هي حدثت وهو الارتباط المباشر في بداية السنة المالية من قبل الوزارة على مبادرات مشروع التحول الوطني، حيث تقوم كل وزارة وبعد اعتماد الميزانية الخاصة بها بالربط فورا على جميع البنود المشاركة في برنامج التحول الوطنين ففي المثال أعلاه، إذا خصص لوزارة النقل عشرة ملايين للسفريات ولديها مخصص سفريات لمبادرة إلغاء القيود التجارية بخمسة ملايين، فيجب عليها أن تقوم بالارتباط فورا على هذا المبلغ، حيث لا يمكن الصرف منه إلا على مبادرات التحول الوطني، وهكذا في باقي المبادرات. هذا سيمنع أي إدارة أخرى ضمن الوزارة لها برنامج خاص خارج التحول الوطني من الوصول إلى مخصصات البرنامج في البنود. لكن هذا يتطلب مهارات خاصة وتدريب محاسبي لبرنامج التحول الوطني، فالارتباط بهذه الطريقة لن يتم من خلال مستندات مؤيدة سوى المبادرة نفسها وقرارات مجلس الوزراء، لكن المشكلة في المحاسبة الحكومية الحالية هو كيف سيتم الصرف من الارتباط على مبالغ وفواتير صغيرة؟، فمثلا هناك خمسة ملايين مخصصة للسفر، وتم الارتباط على المبلغ كاملا في بداية العام، فكيف سيتم الصرف على تفاصيل المبلغ في كل مرة يتم الرفع فيها بطلبات سفر. الحل سيكون هو خارج الصندوق وتبقى مشكلة الرقابة.
إنشرها