«الرؤية» .. والاهتمام بالمراجعة الداخلية

|
"سنلتزم برفع كفاءة الإنفاق العام وتحقيق الكفاءة في استخدام الموارد والحد من الهدر، وسنطلق برنامج قوام .. (الذي سيتم من خلاله) إجراء مراجعة شاملة ودقيقة للأنظمة واللوائح المالية في جميع الأجهزة الحكومية للتحول من التركيز على سلامة الإجراءات فحسب إلى مفهوم فاعلية الصرف وارتباطه بتحقيق أهداف محددة يمكن قياس فاعليتها بما يحفظ استدامة الموارد والأصول والموجودات، كما يهدف البرنامج إلى نشر ثقافة كفاءة الإنفاق بين مختلف المستويات الإدارية في الجهات الحكومية ابتداء من المسؤول الأول لكل جهة. وسيتضمن البرنامج مسارات تدريب متخصصة في هذا المجال لتطوير أداء الموظفين ذوي العلاقة، وتحسين الأداء في الإدارات المالية وإدارات المراجعة الداخلية" (رؤية المملكة 2030، ص 67). هذا ما تضمنته "رؤية السعودية 2030" من رؤى طموحة للوصول إلى مستوى عال من المسؤولية والمساءلة في سبيل المحافظة على المال العام وتحقيق الكفاءة في الإنفاق والقضاء على الهدر. والحقيقة أن ما احتوته هذه "الرؤية" من تطلعات مستقبلية لا يقل طموحا عن القرارات الصادرة في هذا الشأن، حيث صدر قرار مجلس الوزراء الموقر رقم 129 في 6/4/1428هـ الذي تضمن اللائحة الموحدة لوحدات المراجعة الداخلية في الأجهزة الحكومية والمؤسسات العامة، بهدف المحافظة على أموال الدولة وتحقيق أهداف المراجعة الشاملة والرقابة على الأداء. بعد ذلك أنشئت الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد بالأمر الملكي الكريم رقم أ/65 وتاريخ 13/4/1432هـ الذي نص على ''وانطلاقا من قول الله تعالى: (ولا تبغِ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين)، واستشعارا منا للمسؤولية الملقاة على عاتقنا في حماية المال العام، ومحاربة الفساد، والقضاء عليه، على هدي كريم من مقاصد شريعتنا المطهرة التي حاربت الفساد، وأوجدت الضمانات، وهيأت الأسباب لمحاصرته، وتطهير المجتمع من آثاره الخطيرة، وتبعاته الوخيمة على الدولة في مؤسساتها، وأفرادها، ومستقبل أجيالها''. وخولت بناء جهازها المستقل بإحكام لمواجهة الفساد المالي والإداري مع التأكيد على ''ولا يستثنى من ذلك كائن من كان''. مما سبق يتضح لنا أن المشكلة في هذا الشأن خصوصا ليست في ضعف التشريعات، أو غياب الجهات الرقابية التي تتجاوز عدديا ما يمكن إدراكه. وإنما القضية هنا تأتي في آلية التنفيذ والصلاحيات الممنوحة لمن يوكل إليهم أداء الأعمال. أحد أهم الإشكالات يأتي من خلال محاولة منح إدارات المراجعة الداخلية في الجهات الحكومية استقلالية صورية لا تعكس الآمال والطموحات. فربط إدارة المراجعة الداخلية بأعلى وظيفة إدارية في الهرم الإداري لا يضمن لها الاستقلالية الفعلية، كون شاغل المنصب يعمل داخل المصلحة نفسها، وقد يرى أو يوهم أن تفعيل إدارات المراجعة الداخلية سيتسبب في إشكالات وتعطيل للإجراءات ما يجعل هذه الإدارات معطلة باستقلالية وهمية. أحد أهم الحلول لتفعيل دور إدارات المراجعة الداخلية في القطاع العام، منحها استقلالية تامة عن الجهات التي تعمل فيها، وبكوادر وظيفية مستقلة ومهيأة تماما لأداء مهمتها. ويمكن أن ترتبط بجهاز رسمي يتبع مباشرة لمجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية وبعيدا عن ديوان المراقبة العامة ذي الصلاحيات المهام المالية المحددة وقتا ونوعا. بذلك ستتحقق "رؤية السعودية 2030" وتطلعات صانع هذه الرؤية الطموحة.
إنشرها