الدراسات العليا .. بين جامعاتنا وجامعاتهم .. ماذا نفعل؟

|
أصدرت منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم المعروفة بـ "اليونسكو"، عام 2011م، معايير دولية لتصنيف التعليم. وشملت هذه المعايير تعديلات على المعايير السابقة التي كانت قد أصدرتها "اليونسكو" عام 1997م. وتركزت التعديلات بصورة رئيسة على مجال التعليم العالي والدراسات العليا. ولعل ذلك قد جاء بسبب تزايد أهمية المعرفة في المجتمعات الإنسانية والتنافس نحو التميز المعرفي في مختلف مجالات الحياة، بما يشمل ليس استيعاب المعرفة فقط، بل إنتاجها أيضا. تشمل معايير "اليونسكو" الجديدة لتصنيف التعليم "تسعة مستويات رئيسة": مستوى أولي يأتي ما قبل المرحلة الابتدائية، ثم ثمانية مستويات تحمل أرقاما من (1) إلى (8). تتماثل المستويات من (1) إلى (4) بين المعايير القديمة والجديدة وتشمل: المرحلة الابتدائية في (1)؛ والمرحلة المتوسطة في (2)؛ والمرحلة الثانوية في (3)؛ ثم المرحلة الثانوية المتقدمة أو مرحلة ما قبل التعليم العالي في (4). وطبقا للمعايير، يمكن للمراحل التي تلي المرحلة الابتدائية أن تتضمن تدريبا مهنيا غايته التهيئة للعمل في سن مبكرة، في مهن مختلفة. يبدأ التعليم العالي عند المستوى (5)، وهو في المعايير الجديدة للدرجات التي تسبق درجة البكالوريوس. ثم يأتي المستوى(6) الذي يختص بدرجة البكالوريوس؛ فالمستوى (7) لدرجة الماجستير. أما المستوى (8) فهو مستوى درجة الدكتوراه البحثية التي يجب أن تهتم أساسا "بإنتاج المعرفة". مقارنة بالمعايير القديمة، شملت المعايير الجديدة إضافة مستويين، أحدهما يرتبط بالدراسة الجامعية الأولى، حيث أصبح لها مستوى خاص بها؛ والآخر يتعلق بدرجة الماجستير؛ وبقي للبحث العلمي، كما في السابق، مستوى مستقل. وهكذا فإن معايير اليونسكو الجديدة تحمّل الجامعات مسؤولية ثلاثة مستويات هي (6، 7، 8)، بينها "مستويان للدراسات العليا". إذا نظرنا إلى نسبة طلاب الدراسات العليا إلى مجمل عدد الطلاب في بعض الجامعات العالمية نجد أنها، طبقا لبيانات "مؤسسة تصنيف الجامعات QS" لعام 2015م، تشمل التالي: "68 في المائة" في هارفارد؛ و"57 في المائة" في ستانفورد؛ و"37 في المائة" في كامبردج؛ و"28 في المائة" في أدنبرا. وبالمقابل نجد أن أعلى نسبة بين الجامعات السعودية، تبعا للمصدر ذاته، تبلغ "17 في المائة". ويأتي ذلك على الرغم من العدد الكبير للمبتعثين السعوديين للدراسات العليا الموزعين في مختلف أنحاء العالم. المفاضلة بين الدراسات العليا في جامعاتنا والدراسات العليا في الخارج أشبه بلعبة "شد الحبل" بين قوتين إحداهما في طرف جامعاتنا، والأخرى في الطرف الآخر. وسنطرح هذا الأمر فيما يلي، ونحاول تقديم مقترحات بشأنه، ولعلنا نبدأ بالقوة التي تدعو إلى الدراسات العليا في الخارج. تشمل هذه القوة أساسا جانبين رئيسين. جانب يقول إن جامعاتنا ليست ناضجة بالقدر الكافي للدراسات العليا، وعلينا بالتالي أن نبتعث طلابنا إلى الخارج لاكتساب خبرات جديدة لا نملكها. ولهذا الجانب مؤيدون حتى داخل جامعاتنا، يعترضون على التحاق المعيدين والمحاضرين، المتميزين في تحصيلهم الأكاديمي، ببرامج الدراسات العليا القائمة في جامعاتنا، ويوجهونهم نحو الالتحاق بالجامعات الأجنبية، كي يكونوا، كما يأملون، أكثر قدرة على العطاء المعرفي في المستقبل. أما الجانب الآخر من القوة المؤثرة باتجاه الجامعات الأجنبية، فيرى أن القبول في الدراسات العليا في جامعاتنا أكثر تعقيدا من كثير من الجامعات الأجنبية، وأن الحصول على الدرجة العلمية يستغرق وقتا أطول من الوقت المستغرق في تلك الجامعات، ناهيك عن الرغبة في التعرف على العالم وعلى الثقافات الأخرى فيه. وننتقل إلى القوة التي تدعو إلى الدراسات العليا في جامعاتنا، فهذه تتضمن أيضا جانبين رئيسين. جانب يرى أن جامعاتنا الأم بدأت مسيرتها قبل عدة عقود من الزمن؛ وأن نظرة إلى مؤهلات من فيها من الأساتذة ترينا أنها لا تقل عن المؤهلات الموجودة في الجامعات التي يتم الابتعاث إليها، بل ربما تزيد على الكثير منها، فلماذا لا نمضي قدما ونهتم أكثر بالدراسات العليا في جامعاتنا. ولهذا الجانب مؤيدون داخل الجامعات، بل إن بينهم من يدعون إلى فتح باب الدراسات العليا أمام المعيدين والمحاضرين في هذه الجامعات كي يستطيعوا، بما يتمتعون به من تميز علمي، تفعيل المنافسة في الدراسات العليا في جامعاتنا وتعزيز جودتها. أما الجانب الثاني في الاتجاه ذاته، فيرى أن بحوث الدراسات العليا وبالذات لدرجة الدكتوراه تتميز عادة بعطاء معرفي متميز. وعلى ذلك فإن تنفيذ هذه البحوث في جامعاتنا يسمح على نطاق واسع بطرح موضوعات نحتاج إلى الإبداع المعرفي فيها، ونستطيع الاستفادة منها، بدل أن تكون الموضوعات مركزة على ما تهتم الجامعات الأجنبية به، والذي كثيرا ما يرتبط بحاجة مجتمعاتها. ففي ذلك فوائد كبيرة للمجتمع وللخطط الوطنية التي نعمل على تنفيذها. لا شك أن للقوتين على طرفي لعبة شد الحبل أسبابا تستحق التفكير. لكننا إذا وقفنا في منتصف اللعبة، ربما نستطيع أن نجد عوامل للتوفيق بينهما. نحن جميعا في الأماكن الثلاثة، الطرفين والمنتصف، نرغب في تطوير جامعاتنا ونرغب أيضا في تأهيل أبنائنا على أفضل وجه ممكن. الرؤية لهذا الأمر عند الطرفين تتصف بالتباين، فماذا عند المنتصف؟. نستطيع عند نقطة المنتصف أن ننظر إلى جامعاتنا من جهة وإلى جامعاتهم من جهة أخرى، ونتساءل عما يمكن أن تحمله الشراكة واتفاقيات التعاون بين الجامعات. لعل مثل هذه الاتفاقيات تمكن جامعاتنا من طرح برامج دراسات عليا مشتركة، في مجالات مختلفة، خصوصا على المستوى البحثي، مع جامعات مرموقة من مختلف أنحاء العالم. فمثل هذه الاتفاقيات توسع دائرة خبرة جامعاتنا في برامج الدراسات العليا ومتطلباتها ومعطياتها، وتعزز تواصلها المعرفي العالمي. كما تتيح لطلابنا قضاء جزء من فترة الدراسة في الجامعات الأجنبية، وتتيح أيضا لطلاب تلك الجامعات قضاء جزء من فترة الدراسة في جامعاتنا. نريد لجامعاتنا تطورا متسارعا في الدراسات العليا، كما ونوعا. نريدها هدفا للابتعاث، من داخل المملكة وخارجها. لقد نجحت جامعاتنا، على مدى عقود، في تقديم خريجين متميزين، في مرحلة البكالوريوس؛ وهؤلاء اليوم يعملون في مواقع متقدمة يخدمون منها المجتمع في شتى المجالات. ونريد لها الآن أن تنجح أيضا في تقديم أعداد أكبر من الخريجين المتميزين في مرحلتي الماجستير والدكتوراه. نريد جامعاتنا منارات بحثية معرفية براقة أمام جميع الناظرين في الداخل وفي الخارج أيضا.
إنشرها