لبنان وضياع الآمال

|
لبنان كانت دائما في قلب الأحداث العربية، وكانت هذه الدولة الصغيرة تصْدع دائما بعروبتها وبمصيرها العربي المشترك. لبنان كانت كذلك يوما مرتعا للثقافة العربية وكانت مطابعها ومكتباتها مصدرا للإلهام الثقافي العربي، ولذلك كان لها دائما صوت في كل الأحداث التي غيرت وجه الساحة العربية. وفي كل مرة واجهت لبنان مشكلة كبيرة بين فئاتها المختلفة كان لها في المملكة العربية السعودية إخوة يلتجئون إليهم لحل تلك المشكلات ويساعدونهم في لم شملهم ودعم اقتصادهم وترسيخ مبادئ التعددية والتوافقية والهوية العربية والمصير المشترك مع إخوانهم العرب. لبنان أيضا عادت إليها الحياة مجددا بعد أن خاضت حربا دامت أكثر من 15 عاما، ولم تنته تلك الحرب إلا بالمساعي التي قامت بها المملكة لإنهاء هذه الحرب فجمعت اللبنانيين في الطائف وصنعت اتفاقا تاريخيا توافقيا لجميع الأطراف اللبنانية أدى لإنهاء الحرب وانطلاقة آلة الإعمار التي قادها الرئيس الراحل رفيق الحريري وقادت عملية تمويلها السعودية. ازدهرت لبنان واستقر اقتصادها وعاد لشعبها الأمل في عودة الاستقرار، ومع عودة الأمل للبنانيين في المهجر ضخوا رؤوس أموالهم فيها فكانت "السوليدير" وكان غيرها من مشاريع الإعمار التي عززت اقتصاد لبنان وأدت إلى استقرار عملتها على مدى السنوات السابقة. وهنا يبرز بشكل واحد الدور الإيجابي الذي لعبته المملكة لتحقيق الاستقرار في لبنان. فالمملكة لم تصنع فقط اتفاقا سياسيا أدى لإنهاء الحرب، ولم تسهم فقط في عملية الإعمار، ولم تكن رؤوس أموالها التي ضُخّت في لبنان الوحيدة في هذه المعادلة، ولكن الأهم من ذلك أن المملكة أعادت الأمل للبنانيين أنفسهم في بلد عربي يجمعهم على تعدد مذاهبهم. يستغرب البعض مقاومة لبنان اقتصاديا لكل الحروب التي واجهتها، ومقاومتها للانهيار المالي على رغم كل تلك الحروب. السبب أن الأمل كان موجودا دائما في قدرة لبنان على تخطي هذه العقبات، وأن محيط لبنان العربي الأصيل سيدعمها في ذلك. لذلك، بقيت لبنان دائما تدور سياسيا في محيطها العربي وبقيت معه في كل قضاياه المصيرية على الرغم من كل المحاولات الرامية إلى إبعادها عن هذا المحيط. الأيام تمضي، وآلة الإعمار تؤتي أكلها وتصبح لبنان المقصد السياحي الأول للخليجيين. أصبحت لبنان جزءا من الخليج وأصبح الخليج كله في لبنان بأبنائه وبماله وبكل ما يملك ليدعم استقرار بلد عربي شقيق، وهذا هو ما عزز الأمل بلبنان: وقوف أشقائه إلى جانبه دائما. لكن السؤال الصعب هو إلى متى يبقى هذا الأمل مقاوما؟ وما نتيجة زوال هذا الأمل في استقرار لبنان السياسي والاقتصادي؟ المشكلة أن هناك في لبنان من لا يسعده ولا يتفق مع أهدافه وأيديولوجياته أن يبقى لبنان عربيا، وأن ينتعش اقتصاد لبنان، وأن يصبح قراره مستقلا بيد أبنائه. هناك في لبنان من يريد أن يكون لبنان شيئا آخر لم تعرفه من قبل، وأن تتحدث بلغة لا يعرفها أبناؤها، وأن يكون قرارها بيد عمامة سوداء تقبع في طهران. هناك من يريد أن تكون أموال الخليج ودعمه وسيلة فقط للوصول إلى هذا الهدف، وإلى ترسيخ الوجود الصفوي الفارسي في لبنان، فيحكم قراره، ويزج به في أزمة سياسية تلو الأخرى كلما دعته الحاجة لذلك، دون الاكتراث بحياة المواطن اللبناني سواء داخل لبنان، أو أولئك اللبنانيين العاملين في الخارج خصوصا في دول الخليج العربي. لذلك، لا تجد هؤلاء يعبأون بما تؤدي إليه مغامراتهم من دمار للبنان وللبنانيين، لماذا؟ لأنهم لم يساهموا أبدا في إعمار لبنان ولا يضيرهم أبدا دماره ودمار أبنائه ما دام ذلك يحقق لهم طموحاتهم الأيديولوجية المبنية على الخرافة. عندما استمرت المملكة في دعم لبنان رغم كل المواقف السلبية التي يقودها الحزب الصفوي فلأنه كان لديها أمل بأن يكون هناك موقف للبنانيين أنفسهم يعيد الأمور إلى نصابها ويتم اختيار رئيس للدولة وتشكل حكومة قادرة على الاضطلاع بعملية التنمية لمصلحة اللبنانيين أولا وآخرا، وليس لتوظيف ذلك لمصالح أيديولوجية خارجية. لكن الأمل انقطع عندما أصبح لبنان مختلفا ومختطفا من الحزب الصفوي، وخادما لإملاءات سادته في طهران. عندما تصل الأمور إلى أن يقف لبنان ضد القرار العربي وضد القوانين الدولية التي تحرم الاعتداء على البعثات الدبلوماسية، فهنا يكون للأمل نهاية، ولن يستطيع إعادة هذا الأمل إلا اللبنانيون العقلاء أنفسهم. والعقلاء من اللبنانيين يعرفون أكثر من غيرهم أنه ما كان للبنان أن يقف على قدميه اقتصاديا وسياسيا إلا بوقوف المملكة معه، وأن قرار المملكة الأخير الذي أيدته دول الخليج العربي قد يؤدي إلى شلل اقتصادي تام للبنان. المملكة ودول الخليج لا يمكن أن تستمر في معادلة غير متوازنة ـــ يقومون فيها بالبناء وغيرهم يقوم بالهدم ـــ وأن تكون موارد شعوب ودول الخليج وسيلة يستخدمها الحزب لدعم المشروع الصفوي الإيراني الذي يعيث تخريبا في الدول العربية من العراق وسورية ولبنان واليمن والبحرين، ويهدد دولا أخرى وينشر أجندته الثورية في أقصى المغرب العربي. على اللبنانيين أن يتحملوا مسؤولياتهم بأنفسهم وأن يحمِّلوا الحزب الصفوي وقيادته كل المسؤولية عما سيؤول إليه الوضع في لبنان. على اللبنانيين أن يروا الفرق بين من جمَّل وسط بيروت وبنى الجسور واستقبل اللبنانيين ليعملوا ويساهموا في البناء، وبين من أرسل أبناء لبنان ليقتلوا إخوانهم السوريين، ويعطل الدولة اللبنانية، ويملأ شوارع بيروت بالزبالة لتفوح منها رائحة عفنه الطائفي.
إنشرها