الصين العامل الأهم في معادلة النمو الاقتصادي العالمي

|
حالة من التذبذب غير المسبوقة تشهدها الأسواق المالية العالمية والإقليمية والمحلية على حد سواء، وذلك نتيجة صعوبة التنبؤ بالاتجاهات العامة للأوضاع الاقتصادية بسبب وجود متغيرات متعددة تتحرك عناصرها كل يوم في اتجاه مختلف. وهذا يشكل تحديا بالنسبة للمستثمرين من حيث قياس المخاطر وتقييم الفرص وتحديد قراراتهم الاستثمارية. فهناك عدد من المتغيرات الاقتصادية المتزامنة تنعكس بشكل سلبي على الأداء الاقتصادي لأغلب الدول في العالم، بما فيها الدول المتقدمة ودول الاقتصادات الناشئة، والدول المصدرة للنفط. الجميع يعيش هذا العام بداية صعبة على جميع المقاييس ستجعل التعامل معها يمثل تحديا كبيرا بالنسبة لصانعي السياسات الاقتصادية على المستوى المحلي في كل دولة، وعلى المستوى المتعدد الأطراف من خلال التنسيق في إطار التجمعات الاقتصادية المختلفة. محافظو البنوك المركزية أيضا يواجهون تحديات صعبة، خصوصا في الدول المتقدمة، حيث إن حيز السياسة النقدية يتلاشى تدريجيا نتيجة لحملات التيسير الكمي الكبيرة التي تقوم بها البنوك المركزية الرئيسة في العالم. من جانب، فإن أسعار النفط المتراجعة جدا تضع عبئا كبيرا على عدد من الدول المصدرة للنفط التي لم تستغل فترة ارتفاع أسعار النفط خلال السنوات السابقة في بناء حيز مالي كاف ليساعدها على التكيف مع واقع جديد يتمثل في تراجع الإيرادات النفطية التي تمول موازنات هذه الدول. تراكم العجز المالي الكبير يؤدي إلى ارتفاع في عجز الحساب الجاري لهذه الدول ما اضطر بعضها إلى تخفيض أسعار صرف عملاتها. أذربيجان على سبيل المثال قامت بتخفيضين لسعر الصرف بنسبة 50 في المائة، ونيجيريا تواجه خيارات صعبة لمواجهة تراجع أسعار النفط. روسيا أيضا تواجه انكماشا اقتصاديا كبيرا بسبب تراجع أسعار النفط والعقوبات الاقتصادية التي تفرضها عليها الدول الأوروبية والولايات المتحدة، وقد أدى ذلك إلى تراجع كبير في سعر صرف عملتها. وأخيرا فنزويلا التي تملك أحد أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم تواجه أزمة اقتصادية حادة تترجم إلى أزمة سياسية. الصين على الجانب الآخر، والتي كانت في وقت قريب المحرك الرئيس للاقتصاد العالمي، تواجه واقعا اقتصاديا مقلقا ووضعا صعبا بالنظر إلى سياسة التحول الاقتصادي التي تتبعها لوضع النمو الاقتصادي على مسار مستدام. ففي إطار سعي الصين لإدراج عملتها في سلة العملات المشكلة لوحدة حقوق السحب الخاصة التي تعتبر العملة الحسابية لصندوق النقد الدولي، عمدت إلى القيام بإجراءات كبيرة لتحرير أسواق رأس المال فيها وزيادة مرونة سعر الصرف. لكن الإصلاحات تزامنت مع أداء متراجع للاقتصاد الصيني أدى إلى خروج كبير لرؤوس الأموال ما أدى إلى اضطرار البنك المركزي إلى تخفيض سعر صرف العملة. لذلك هناك قلق في الأوساط الاقتصادية من أن أي إشارات سلبية عن الوضع الاقتصادية في الصين خصوصا تلك المتعلقة بديون الشركات البالغة قرابة عشرة تريليونات دولار، قد يشكل تحديا اقتصاديا كبيرا قد يؤدي إلى أزمة على المستوى العالمي. الولايات المتحدة هي الأخرى تواجه مشكلة عدم تحسن أداء الاقتصاد بالشكل الذي كان متوقعا عندما اتخذ الاحتياطي الفيدرالي قراره برفع سعر الفائدة لأول مرة خلال سبع سنوات. وهذا كان جليا خلال الشهادة التي تقدمت بها أخيرا رئيسة الاحتياطي الفيدرالي جانيت يلين أشارت فيها إلى أن الاحتياطي سيبقي على سعر الفائدة في الغالب دون تغيير خلال هذا العام نتيجة لورود مؤشرات تشير إلى تباطؤ في الانتعاش الاقتصادي عزتها بشكل رئيس إلى ارتفاع سعر صرف الدولار ما أثر في الصادرات، والبيئة الاقتصادية العالمية غير المواتية لدعم النمو الاقتصادي. ولم تستبعد يلين اضطرار الاحتياطي الفيدرالي إلى تخفيض سعر الفائدة إلى الحيز السلبي، لكنها قللت من احتمالات ذلك. وهو مؤشر ألقى بظلاله على المخاطر في الأسواق العالمية ما سيؤدي إلى إحجام المستثمرين عن تحمل المخاطر وبالتالي الحد من فرص النمو والتوظف. كذلك، في اليابان ولأول مرة دخلت أسعار الفائدة على سندات لأجل عشر سنوات الحيز السلبي ما يعكس التباطؤ الاقتصادي الذي تشهده اليابان وعدم فعالية سياسات التيسير الكمي التي يقوم بها البنك المركزي حاليا. وهذا يعكس واقعا يتمثل في ضيق الحيز للسياسات سواء على جانب السياسة النقدية أو جانب السياسة المالية. أيضا في منطقة اليورو التي تعاني تباطؤا في وتيرة التعافي من أزمة الديون السيادية في كل من اليونان والبرتغال وإيرلندا تواجه السياسة النقدية التوسعية للبنك المركزي الأوروبي تحديا من حيث فعاليتها في تعزيز النمو الاقتصادي. حيث إن تداعيات الديون المتعثرة للمصارف في منطقة اليورو تؤدي إلى ضعف فعالية انتقال آثار سياسات التيسير الكمي للبنك المركزي الأوروبي وبالتالي هناك حديث عن الحاجة إلى استغلال حيز السياسة المالية في الدول التي لديها القدرة على ذلك كألمانيا وهولندا لدعم الطلب العام وتعزيز الاستثمار بما يساهم في رفع معدلات التضخم المتراجعة بشكل كبير. هذه العوامل مجتمعة ستلقي بظلالها على الأداء الاقتصادي العالمي خلال هذا العام، الذي قام صندوق النقد الدولي بتخفيض توقعات النمو بشأنه لعامي 2016 و2017 بمعدل 0.2 في المائة لتبلغ 3.4 و3.6 على التوالي. وهذا التخفيض يعكس ـــ حسب الصندوق ـــ التراجع في الأداء الاقتصادي للاقتصادات الناشئة خصوصا الصين. لذلك، ستظل الصين العامل الأهم هذا العام في معادلة النمو الاقتصادي العالمي وفي أسعار النفط وفي معدلات التضخم المتراجعة في كل من اليابان ومنطقة اليورو والتي تؤدي إلى ارتفاع في سعر صرف الدولار الأمريكي. وستكون الإدارة الصينية للظروف الاقتصادية التي تواجهها تحت اختبار صعب لتثبت قدرتها على التعامل مع قوى السوق التي لم تتعود عليها في السابق.
إنشرها