الطلب على العمل .. التكيف من خلال آلية الأسعار «2»

|
تطرقت في مقال الأسبوع الماضي إلى دور آلية الأسعار في تعزيز كفاءة سوق العمل، وتأثيرها في أداء الاقتصاد ككل. وأشرت إلى أنه لكي يكون هناك إصلاح فعال لقضايا سوق العمل، يجب أن يكون هناك تفعيل لآلية الأسعار في سوق العمل، لكي يكون هناك انعكاس للطلب الحقيقي على قوة العمل الأجنبية على أجور العاملين من الأجانب، بما يسهم في تحقيق التوازن المطلوب في هذه السوق. ما يحدث حاليا أن هناك عرضا غير محدود من قوة العمل الأجنبية من جهة، وعرضا محدودا من قوة العمل الوطنية وفي رأس المال المادي "الآلات والمعدات وما شابهها من عناصر الإنتاج". لذلك، فإن استمرار هذه الحالة من اللاتوازن تؤدي إلى ترجيح كفة المزايا النسبية لقوة العمل الأجنبية غير الماهرة على حساب قوة العمل الوطنية وعلى حساب رأس المال اللازم لتحسين كفاءة الإنتاج وتحسين نوعية العمل ليتناسب مع ظروف ومهارات القوى العاملة الوطنية. ولعلي هنا أوضح السبب في الوصول إلى هذه النتيجة. من وجهة نظر المستثمر، وسواء كان ذلك في قطاع الخدمات أو قطاع الإنتاج الصناعي، فإنه يختار مزيج مدخلات الإنتاج الذي يحقق له أعلى ربح ممكن. ومزيج المدخلات يتكون من عنصرين رئيسيين: العمل، ورأس المال. وعلى الرغم من ارتباط ارتفاع تكلفة رأس المال بتكلفة التقنيات المستخدمة، إلا أن ذلك يمكن تعويضه من حيث زيادة الإنتاجية، وبالتالي المحافظة على مستوى جيد من الربحية مع زيادة في كفاءة المنتج. لكن ذلك أيضا سيتطلب الاعتماد على مزيج مختلف من قوة العمل، فالتقنيات الحديثة للآلات والمعدات "الروبوت في العملية الإنتاجية مثلا" تتطلب عمالة أكثر مهارة للتعامل معه. وهذا بدوره سيقلل هامش الربح على المدى القصير والمتوسط بالنسبة إلى المستثمرين، على الرغم من أنه قد يحقق لهم توسعا كبيرا في الأسواق يعوض من انخفاض هامش الربح نتيجة تغير مزيج مدخلات الإنتاج. لكن طبيعة المستثمرين بشكل عام تنظر إلى تغطية تكلفة استثماراتهم بأسرع وقت ممكن، وبالتالي فإنهم يركزون على الاستثمارات التي تحقق ذلك خلال أقصر فترة، والانتقال بعد ذلك إلى استثمارات أخرى لتحقيق هامش ربح أكبر. لذلك، فإنه ودون وجود حافز يدفع المستثمر إلى الاستثمار في مزيج العمل الذي يحقق العائد الاقتصادي الاجتماعي الأكبر ـــ الذي يعظم المنافع الاجتماعية للمجتمع ككل ــــ فسيتجهون بشكل طبيعي للاستثمار الذي سيحقق العائد الأكبر بالنسبة لهم على المدى القصير، ولو كان ذلك على حساب المنافع الاجتماعية للمجتمع ككل. وهنا يأتي دور الحكومة لتصحيح هذا الخلل، من خلال وضع سياسات اقتصادية تسهم في تعديل هذه الحوافز ليتحقق هنا توازٍ بين العائد الذي يحقق للمستثمر الربح والعائد الاجتماعي على المجتمع ككل. في المملكة هناك خلل أكبر مما في الدول الأخرى عندما يتعلق الأمر بمزيج مدخلات الإنتاج التي يواجهها المستثمر. فهو يواجه خيار المفاضلة في مزيج العمل نفسه بين الاعتماد على قوة العمل الأجنبية وقوة العمل الوطنية، وكذلك الاعتماد على مزيج بين العمل وبين الاستثمار الرأسمالي. وهي عملية معقدة سببها التجزئة الحاصلة في سوق العمل، وتأثير ذلك في حوافز الاستثمار الرأسمالي. والتجزئة التي تعانيها سوق العمل هي ناتجة عن اختلاف الظروف المحيطة بالعرض والطلب بالنسبة إلى قوة العمل الأجنبية "العرض غير المحدود" وقوة العمل الوطنية، كما أشرت إليه في بداية هذا المقال. فالمستثمر بدل أن يواجه بالمفاضلة بين خياري العمل ورأس المال، فهو يواجه حقيقة خياري الاستثمار في قوة العمل الأجنبية الرخيصة "التي تأتي على حساب الاستثمار في رأس المال"، أو خيار الاستثمار في قوة العمل الوطنية. والاستثمار في قوة العمل الوطنية سيؤدي إلى تحفيز المستثمر إلى استخدام مزيج أكبر من رأس المال لزيادة الإنتاجية وتخفيض تكلفة الإنتاج والحفاظ على هامش ربح جيد. بمعنى آخر، فإن الاستثمار في رأس المال في القطاع الخاص في المملكة هو محصلة نهائية للمفاضلة بين مزيج العمل "الأجنبي والوطني" نفسه وليس خيارا في مزيج مدخلات الإنتاج "العمل ورأس المال". وهذا ينعكس بدوره بشكل سلبي على الأداء الاقتصادي العام ويؤثر سلبا في العائد الاجتماعي الكلي. فاستخدام مزيج العمل الأقل كفاءة "قوة العمل الأجنبية" سيؤدي إلى آثار سلبية متعددة منها: الإخلال بالتوازن في الأسعار والأجور التوازنين لضمان خيارات متوازنة بين عنصري العمل الأجنبي والوطني من جهة، وبين عنصر العمل بشكل عام وبين رأس المال، والتأثير في كفاءة الإنتاج سواء الصناعي أو الخدمي، وانتشار الفساد الناتج عن التستر أو السعودة الوهمية، والاستنزاف لميزان المدفوعات من خلال التحويلات الكبيرة، والضغط على الخدمات العامة المدعومة من قبل الدولة، واستهلاك أسرع للبنى التحتية، عدا عن التأثيرات الأمنية والاجتماعية الأخرى. كل هذا انعكاس للانفتاح الكامل غير المبرر للعرض من العمالة الأجنبية التي لا يستفيد منها إلا كل من أرباب العمل والعمالة الأجنبية نفسها، ويبقى على الاقتصاد أن يتحمل نتيجة التشوهات التي تتراكم عاما بعد عام بسبب ذلك. لذلك، فإن السعي إلى حل قضايا سوق العمل وزيادة التوظف للمواطنين لا يجب أن يقتصر على الإجراءات الإدارية والتنظيمية والرقابية، ولكن يجب أن يتم من خلال تفعيل آلية الأسعار، حيث تكون الأجور في القطاع الخاص انعكاسا للطلب الحقيقي عليها. كيف يتم ذلك؟ يتم ذلك من خلال الحد من العرض اللانهائي من العمالة، حيث يكون هناك سقف سنوي لحجم العمالة الأجنبية التي يحتاج إليها القطاع الخاص. وبناء عليه، ستتغير أجور العمالة الأجنبية ـــ بعد تحديد العرض منها ـــ لتعكس الطلب عليها إلى أن تتقارب مع أجور العمالة الوطنية.
إنشرها