الجامعات إلى أين؟

|
جاء قرار دمج وزارة التربية والتعليم مع وزارة التعليم العالي مفاجأة للجميع قبل شهور قليلة، ولكن كثيرين من منسوبي الجامعات استقبلوا القرار بفرحة كبيرة، على خلفية الأمل الذي يدغدغ طموحاتهم في بناء جامعات مستقلة وقادرة على صنع قراراتها بفاعلية لخدمة أهداف الجامعة والإسهام في التنمية المستدامة في المملكة وتحقيق الأولويات الوطنية من خلال إنتاج المعرفة وإيجاد حلول ناجعة للقضايا والمشكلات التي تواجه المجتمع السعودي، بعيدا عن "قولبة" الجامعات في قوالب متشابهة! ومنذ صدور ذلك القرار وأروقة الجامعات تعج بالحوارات الكثيرة والمناقشات الصاخبة والمقترحات المتنوعة، لكيفية صنع مستقبل الجامعات السعودية أو رسم خريطة طريق مناسبة. فهناك من يرى باستقلالية مقننة ومنضبطة وتغيير تدريجي، وهناك من يرى بضرورة التفكير خارج إطار اللوائح الحالية التي عفا عليها الزمن، وحان الوقت لمنح الجامعات فضاء رحبا وفسيحا للإبداع والتميز حسب إمكانات المنطقة الجغرافية التي تقع فيها الجامعة واحتياجاتها مع حوكمة ومساءلة بناء على مؤشرات أداء KPI يحتكم إليها في تصنيف الجامعة وتحديد نصيبها من دعم الدولة. كثيرون يطرحون تساؤلات مثل: أين نحن من الجامعات العالمية والمميزة؟ هل نحن في حاجة إلى إعادة اختراع العجلة؟ ألا توجد نماذج ناجحة في الشرق والغرب من اليابان وكوريا وأستراليا والصين شرقا مرورا بجامعات عريقة مثل كامبردج وأكسفورد والسربون في أوروبا إلى جامعات أمريكا الشمالية العريقة؟ وكيف تدار وتمول تلك الجامعات؟ ولماذا تعمل وزارة التعليم بمعزل عن الكفاءات الأكاديمية بالجامعات ودون عقد ورش عمل يشارك فيها أصحاب الفكر والخبرة؟ وآخرون يشككون في قدرة الجامعات في إدارتها نفسها باستقلالية أو شبه استقلالية، وبهذا التفكير المحافظ لن تحصل الجامعات على أي نوع من الاستقلالية والتقدم، لأن بناء القدرات في الإدارة الجامعية ونجاحها لا يأتيان إلا بالممارسة والتجربة وتوسيع الصلاحيات. ومن هذا المنطلق، ينبغي إتاحة الفرصة للجامعات للعمل وفق استقلالية منضبطة وقواعد عامة أو خطوط عريضة تؤكد خدمة الجامعات للخطط التنموية والأولويات الوطنية، بعيدا عن اللوائح التفصيلية المكبلة، وذلك من خلال التالي: 1) إعداد استراتيجية وطنية للتعليم عموما والتعليم الجامعي خصوصا، لتكون خريطة طريق تساعد الجامعات في تحقيق الأهداف الاستراتيجية الوطنية. 2) تشكيل مجلس أمناء لكل جامعة يتكون من ذوي الخبرة والاختصاص، للإشراف على سير العمل ووضع الاستراتيجيات الخاصة بكل جامعة. 3) تحقيق التكامل بين منظومة الجامعات السعودية، وليس التماثل والتشابه، حيث لا تصبح الجامعات نسخا متشابهة لبعضها بعضا، وهذا ليس بدعا، فلو رجعنا لتجربة الجامعات العريقة في أمريكا أو أوروبا لوجدنا الكثير من الاختلافات بين الجامعات في تركيزها ورسالتها وبعض التخصصات التي تقدمها، ما يسهم في تميزها في مجالات معينة. 4) ضرورة حرص الجامعات على بناء قدراتها الذاتية من خلال استقطاب وإعداد أعضاء هيئة التدريس وذلك عن طريق اختيار المميزين من خريجي الجامعات وابتعاثهم لأفضل الجامعات، كي يسهموا في رفع مستوى الدراسات الجامعية عموما والبحث العلمي خصوصا، إذ من الملاحظ أن إجراءات تعيين المعيدين لا تتم بالشكل المناسب الذي يتيح الفرصة لاستقطاب الأفضل! 5) منح الجامعات مرونة في تعديل هياكلها الإدارية بما يحقق كفاءة عالية. 6) منح الجامعات مرونة في التصرف بالميزانيات المقررة لها، لتوجيهها فيما تراه الجامعة مناسبا دون قيود مكبلة. 7) حرص الجامعات على الإسهام الفاعل في خدمة المجتمعات المحلية من النواحي التنموية، وتقديم الخدمات التوعوية والصحية والتدريبية ونحوها. 8) العمل على تحسين آلية اختيار القيادات الجامعية لضمان اختيار الأفضل لقيادة الجامعات والنهوض بالتعليم الجامعي والبحث العلمي. 9) تعزيز مبدأ الشفافية والحوكمة في المؤسسات التعليمية عموما والجامعات خصوصا. 10) ربط ميزانية كل جامعة بأدائها في إعداد الطلاب وكذلك الإنتاج العلمي للباحثين بها، ويمكن قياس ذلك بأداء الخريجين في الاختبارات التخصصية وكذلك بالإنتاج البحثي لكل عضو هيئة تدريس في الجامعة، مع الأخذ في الاعتبار تاريخ نشأة الجامعة، ومدى خدمتها للمجتمع المحلي الذي تقع فيه.
إنشرها