استيراد المبادئ القانونية

|
لكل منظومة عدلية خصائصها ومبادئها النابعة من القوانين السارية في الدولة. وهذه المبادئ القانونية لم تأت من فراغ، بل هي صناعة مصادر القانون: المجالس التشريعية، والمحاكم من خلال مبادئها القضائية المستقرة، وقبل ذلك التشريع الإسلامي في المملكة العربية السعودية. والمبادئ القانونية المستندة إلى نص قانوني أو حكم قضائي في دولة معينة تعد المبادئ الوحيدة الواجبة النفاذ زماناً ومكاناً في تلك الدولة اعتماداً على مبدأ "سيادة الدولة". وبناء على هذه القاعدة المتفق عليها، لا يصح الاحتجاج بالمبادئ القانونية لدولة أجنبية على قضاء دولة محلية، ما لم تتبناها المجالس التشريعية أو القضاء، أو تكون موافقة للشرع. فلا يصح مثلا الاحتجاج بالمبادئ القانونية في القانون الأمريكي على القانون الياباني، ولا القانون السعودي على القانون المغربي لأن هذا يعد خرقاً صريحاً صارخاً لسيادة الدولة واستقلالها الكياني والقانوني عن نظرائها. فالإلزام والاحتجاج أمام القضاء السعودي بمبادئ مستقرة وجدت في كتب قانونية أجنبية يعد خرقاً لسيادة المملكة العربية السعودية، لأنه في النتيجة النهائية، إلزام للقضاء السعودي بمبادئ وقوانين مجالس تشريعية وأحكام قضائية أجنبية، بل هي مخالفة صريحة للمادة الأولى من النظام الأساسي للحكم التي نصت على: (المملكة العربية السعودية، دولة إسلامية، ذات سيادة تامة..). ولا تمنع هذه القاعدة الأساسية في النظم القانونية من الاستئناس والاستفادة من المبادئ القانونية لدول أخرى دون درجة الاحتجاج. وقد يتبادر إلى ذهن القارئ سؤال مفاده: هذه قاعدة مسلمة عند الكل، فلم تتحدث عنها؟ الجواب: من خلال متابعتي لكثير من المغردين القانونيين في «تويتر»، أجد بعضهم قد أغفل هذه القاعدة المهمة. ويرجع ذلك – والله أعلم - إلى نشأة المتعلم في الحقل القانوني على كتب قانونية عربية أو أجنبية. فهذا المنهج أدى إلى تشرب المتعلم لمبادئ قانونية أجنبية إلى حد يظن أن هذه المبادئ ملازمة لهذا الفرع من القوانين في بقية الدول. وعليه، يظن أنها ملزمة في قضاء دولته ولو لم يرد بها حكم شرعي أو نص قانوني خاص أو مبدأ مستقر في القضاء السعودي. فمن أمثلة ذلك استيراد تقسيم الوقائع إلى جنايات وجنح ومخالفات، أو استيراد بعض جزئيات مبادئ القانون المدني كأركان العقد الثلاثة (الرضا والمحل والسبب) بدلا من شروط العقد السبعة في الفقه الإسلامي، وغيرها كثير. وما نعانيه في المملكة العربية السعودية من قلة الكتب الأصيلة في فروع القانون السعودي حدا بمتعلمي القانون إلى اللجوء إلى الكتب العربية خاصة المصري منها التي تعتمد - إلى حد كبير - على القانون المدني المصري. فيأخذ المبادئ القانونية من هذه الكتب على اعتبار أنها مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بعلم الفرع القانوني أينما وجد، ثم ينصدم بالواقع المغاير لما ورد في هذه الكتب. وهذا من أسباب نشوء انفصام في علم القارئ عند المقارنة بين ما تعلمه وقرأه في كتب القانون الأجنبية وبين المعمول به في أروقة المحاكم السعودية. ختاماً، هذه دعوة خالصة لكل متعلم للحقوق من أهل الشريعة والقانون، إلى التدقيق والحذر عند قراءة كتب القانون العربية أو الأجنبية، فليس كل ما ذكر فيها من أحكام ومبادئ في الفرع القانوني له مستند في القانون السعودي. بل عليك فحصها وتأملها والتأكد من أن لها أصلاً من نص شرعي أو قانون سعودي أو حكم قضائي مستقر في المملكة العربية السعودية. فالقاضي قبل أن يعمل بالمبدأ، سيسأل المترافع عن المستند الشرعي أو النظامي لهذا المبدأ. فإن أثبته، وإلا عده كلاماً إنشائياً غير ملزم. والنتيجة النهائية أن المترافع، بعد الحكم عليه، يشتكي من أن القاضي جاهل بالمبادئ الأساسية للقانون الذي يحكم به! والله أعلم.
إنشرها