المشراق

تمر السكري .. قصيمي أم بصراوي؟

وأيُّ سعودي لا يعرف السُّكَّري، فهو مع البرْحِي والخُلاص وأنواع أخرى من أفخر التمور المنتشرة في السعودية. وللخُلاص -وننطقها بسكون الخاء- ارتباط وثيق بمدينة الأحساء، وذكر في أدبيّاتها وقصائد شعرائها، ومما حفظته الذاكرة ثلاثة أبيات لأحد فقهاء وشعراء الأحساء، الشيخ عبدالله بن علي بن عبدالقادر يقول فيها: وغانيةٍ عصيتُ اللومَ فيها فما لي من هواها من مَنَاصِ فكم أجني لذيذاً من جناها أحبَّ إليَّ من رُطَب الخُلاصِ تقول جنيت بالتقبيل فاغرم فقلت لها هلمّ إلى القصاصِ وما أروعه من قصاص. وقد وردت الأبيات في ص 418 من كتاب "تحفة المستفيد في تاريخ الأحساء في القديم والجديد"، وص 263 من كتاب "شعراء هجر". كما أن للبرحي الارتباط ذاته ولكن بمدينة عنيزة، وكان أول ما عُرِف فيها عام 1310هـ، إذ جاء به من البصرة رجل من آل بَسَّام، الأسرة العنيزاوية الكريمة الشهيرة. #2# أما السُّكَّري، والذي طالما دارت المنافرات والمفاخرات اللطيفة بين أنصاره وأنصار البرحي والخلاص، وطالما افتخر به أهل منطقة القصيم، فسأورد اليوم نَصَّاً، وأرتكبُ الخيانة العظمى بحق منطقتي القصيم، فأنقل السُّكَّريَّ من قصيميّته إلى البصرة الفيحاء. إذ أفهم من النص أن هذا النوع من النخيل كان معروفاً في مدينة البصرة قبل أكثر من 1200 سنة، ولـــــم يبـــــدأ الاستيطان المعروف في القصيم إلا بعد ذلك بقرون، والزراعة مقترنة بالاستيطان. والخبر ورد في ترجمة الأصمعي (ص 135) من كتاب "نور القبس المختصر من المقتبس في أخبار النحاة والأدباء والشعراء والعلماء"، وقد اختصره الحافظ اليغموري من كتاب المرزُباني، وحققه رودولف زلهايم، وصدر عام 1384هـ/ 1964م ضمن النشرات الإسلامية لجمعية المستشرقين الألمان. وتقول الرواية إن الخليفة هارون الرشيد كان في مجلسه مع بعض بني هاشم يتذاكرون الرُّطب، فاختار كل واحد منهم صنفاً، -ويلاحظ أن المنافرات والمفاخرات في التمر قديمة جداً وفي مجلس أعظم ملوك زمانه فلا لوم علينا- فطلب الرشيدُ الأصمعيَّ، فلما جاءهم وسلم، قال له الخليفة ههنا يا بصريّ، ثم سأله: أي الرطب أطيب عندكم؟ وأخذ الأصمعي بعدها يصف التمور، ومن ضمن كلامه قال: "وعندنا نخلة يقال لها السُّكَّر حلوٌ طيبٌ هش، ورطبها من أطيب الرُّطَب أعظمه لحاءً وأرقه سحاءً، غير أن نواته غليظة، والحموضة إليه سريعة، وقلَّما يصبر كنيزه". وأفهمُ من مناداته للأصمعي بالبصري ثم سؤاله له أنه يقصد تمور البصرة. ومن يعرف تمرة السكري جيداً يرى أن وصف الأصمعي ينطبق عليها تماماً، فهي غليظة النواة، ونسميها في لهجتنا النجدية اليوم (العبسة والفصمة)، كما أنها عريضة اللحاء، وهشة شديدة الحلاوة، ولكنها إذا تركت حتى تجف أصبحت يابسة. أما كنيز السكري فمن المعروف أنه من أسرع أنواع التمر حموضة، لذلك كان الآباء قبل الثلاجات يتركونه حتى ييبس ولا يكثرون كنزه حتى لا يبقى عندهم فترة طويلة فيخرب. ولا يفوتني هنا أن أذكر أن الأصمعي سأل رسول الخليفة قبلها عن نوع التمر الذي فضله الخليفة، ثم لما فصّل في مجلس الخليفة أنواع التمر شهد بذكاء بأفضلية تمرة الخليفة، ليحصل بعدها على جائزته. وأظن -والظن هنا أصدق الحديث- أنني لو كنت مكان راوية العرب لفعلت فعلته. وفي مجلة لغة العرب، ج 10، س 9، أكتوبر 1931م، ص ص (758 - 768)، مقالة بعنوان "نخل نجد وتمرها"، أورد كاتبها الذي رمز لاسمه ( ب.م.م) 81 نوعاً من التمور، وذكر أنواع السكري، ومما قاله عن أحد أنواع السكري: "وتمـــــــــــرها أصفر صــادق الحلاوة كالسـكر ولهذا سميت كـــذلك. وتجمع على سكري".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من المشراق