انهيار أسعار البترول .. الأسباب والدوافع

|

رئيس المعهد الدولي للطاقة والبئية والتوقعات الاستراتيجية

[email protected]

 

شهدت السوق النفطية منذ منتصف العام الماضي انخفاضاً في الأسعار غير معهود منذ الأزمة المالية، حيث واصلت الهبوط بشكل كبير ومتسارع إلى ما دون الـ 50، وبالتالي انهيارا في الأسعار نظرا لأن الفرق بين الانهيار للأسعار وبين الانخفاض المتدرج للأسعار هو العنصر الزمني. وأن ما جرى من انخفاض لسعر النفط من سقف 114 دولارا للبرميل إلى أدنى من 50 دولارا، بمعدل تدنٍّ بلغ أكثر من 50 في المائة خلال بضعة أشهر، وقابلية أن يستمر الانخفاض بوتيرة سريعة لمعدل ربما يكون بمقدار يزيد على خمس مرات ليبلغ 20 دولارا للبرميل الواحد خلال الأشهر القليلة المقبلة، وهنا سنحاول الإجابة عن السؤال المهم وهو: لماذا تهاوت الأسعار بتلك الوتيرة؟ من وجهة نظر بعض المراقبين أن انهيار أسعار النفط في الآونة الأخيرة هو نتيجة طبيعية للعوامل الاقتصادية وفي مقدمتها تزايد الإنتاج من الصخور والرمال النفطية في الولايات المتحدة وتراجع الاستهلاك النفطي في الصين وارتفاع سعر صرف الدولار مقابل العملات الرئيسة الأخرى. وفي الجهة المقابلة يرى بعضهم الآخر أن الأهداف الجيوسياسية لعبت دورا ليس خفيا فيما يحدث. وأن ما يحدث الآن من انخفاض للأسعار ليس جزءا من دورة اقتصادية طبيعية، بل هناك ما يشير إلى وجود قرار سياسي خلف هذا الانهيار نظرا لأن النفط يلعب دورا كبيرا في السياسة الدولية وبشكل متزايد خلال العقود الماضية، وفي وقتنا الحاضر في الصراع بين الولايات المتحدة وروسيا، وبوادر نجاح مفاوضات (5+1)، ورفع حظر توريد النفط الإيراني، ولا سيما أن النفط كان منذ عامين قد بدأ استخدامه سياسيا وكان من أهم بنود حزم العقوبات الاقتصادية المفروضة من الولايات المتحدة والمجتمع الدولي على دول مثل إيران على خلفية برنامجها النووي، إضافة إلى العقوبات الاقتصادية على روسيا بسبب الأزمة الأوكرانية، فانهيار أسعار النفط بشكل مفاجئ ومتسارع خلال فترة قصيرة جدا أمر يشير إلى حقيقة وجود تدخلات سياسية، ولا سيما أن التاريخ الحديث يزخر بالأزمات الكبرى التي استخدم فيها النفط كسلاح فعال للضغط على دولة أو أكثر لتحقيق أهداف سياسية. وفي تقدير البعض الآخر من المراقبين أن الأسباب وراء انهيار الأسعار هو تفاعل مجموعة من المتغيرات السياسية والاقتصادية والمالية العالمية التي تزامنت وتداخلت مع بعضها بعضا وأدت إلى انخفاض الطلب على النفط وبالتالي الانهيار في الأسعار، فهناك انكماش لم يكن متوقعا في الاقتصاد الأوروبي والصيني والياباني، وتزامن مع ارتفاع قيمة الدولار أمام العملات الرئيسة الأخرى، ما جعل استيراد النفط أكثر تكلفة على الاقتصادات المتباطئة وبالتالي انخفض حجم الطلب على النفط في الوقت الذي ارتفع فيه حجم الإنتاج العالمي من خارج "أوبك"، وتأثير المضاربات في أوضاع غير مستقرة، ولا سيما في ظل التوقعات الاقتصادية المتشائمة لعام 2015. وبين هذين نرى أن أحد أهم الأسباب الرئيسية، إذا لم يكن الأهم في ذلك الانخفاض يكمن في إشارة البدء بالتغيير الجذري في سياسة منظمة البلدان المصدرة للبترول "أوبك" في أواخر عام 2014 وإصرار أعضائها الفاعلين على الحفاظ على حصتهم في أسواق النفط التي اكتسبوها تعويضا عن نقص حصص الإنتاج من الأعضاء الآخرين لكونهم منتجين مرجحين، وبالتالي تبني "أوبك" فعلياً استراتيجية مغايرة لاستراتيجيتها السابقة وإعلان "الدفاع عن الحصص السوقية" التي بدأت تتعرض للتآكل بفعل المعروض المنافس من مصادر داخل وخارج دول "أوبك" وقرار "أوبك" عدم خفض إنتاجها مغايرة في ذلك استراتيجيتها السابقة. وحدثت الإشارة لبدء التغيير في الاستراتيجية التي كانت متبعة في السابق، في وقت كانت العوامل الأساسية لسوق النفط لا تبرر التراجع الحاد للأسعار في الفترة الأخيرة. ومن دون التطرق للمبررات التي أدت إلى تغيير أعضاء "أوبك" سياستها، إلا أن السوابق التاريخية تبين أنه في كل وقت تغير "أوبك" استراتيجيتها السوقية، يتبع ذلك التغيير انخفاض حاد لأسعار البترول، وكان آخر تغيير لاستراتيجية "أوبك" في بداية عام 1998م؛ حيث تبنت منظمة أوبك استراتيجية ما يعرف بآلية ضبط الأسعار Price band mechanism، التي بمقتضاها تتم زيادة الإنتاج أو تخفيضه بين حد أدنى إذا وصل السعر 22 دولاراً وحد أعلى إذا بلغ سعر البرميل 28 دولارا للبرميل من سلة "أوبك"، تلاها انخفاض في الأسعار ثم بدأت إيجابية تلك الآلية خلال السنوات اللاحقة لتطبيقها بحيث ارتفع السعر خلال الفترة بين سنة 2000 و2003 إلى نحو 25 دولاراً للبرميل ثم تدرج في الارتفاع إلى أن وصل مستويات مرتفعة جداً وعجزت منظمة أوبك عن ضبط استقرار الأسعار في موازنة السوق النفطية؛ نظراً لما توضحه موجات الارتفاع والانخفاض الحاد في الأسعار منذ إنشاء منظمة أوبك حتى الآن، خاصة الفترة ما بعد عام 2000م، فعلى الرغم من الارتفاع المستمر لأسعار النفط على فترة طويلة نسبياً إلا أن الطلب تجاوز المعروض واستمر بمستويات عالية وفي صعود مستمر وصل إلى نحو 150 دولارا للبرميل في منتصف عام 2007م، ثم انهارت الأسعار إلى مستويات 30 دولاراً بعد الأزمة المالية لمدة وجيزة، ثم بدأت الأسعار في التعافي رويدا رويدا إلى سعر 114 دولارا للبرميل، ولكن انخفاض الأسعار دون مستوى 100 دولار في منتصف عام 2014م لم يقابله انخفاض في تقليص "أوبك" إنتاجها كما كان المفروض أن يتم، تلا ذلك قرار "أوبك" في نهاية العام بالتمسك بعدم تخفيض الإنتاج وبتصريح الأعضاء الذين بلغوا طاقتهم الإنتاجية القصوى بأن تركيزهم هو على حصصهم السوقية التي اكتسبوها في غياب بعض المنتجين لسبب أو آخر وفي مواجهة الدول المصدرة من خارج "أوبك" كالمكسيك وروسيا، ما أعطى إشارة واضحة للسوق النفطية ببدء أعضاء "أوبك" الفاعلين تبنيهم الاستراتيجية الجديدة أي سياسة "الدفاع عن الحصص السوقية المكتسبة" ما أحدث انهيارا حادا في الأسعار، وإذا استمرت الأحوال كما هي فسنرى في المدى المنظور تذبذبا في الأسعار ولكن في نطاق منخفض أي بين 60 دولارا للبرميل كحد أعلى و20 دولارا كحد أدنى وستبقى الأسعار كذلك.. أما الأسباب التي جعلت بعض أعضاء "أوبك" يغيرون استراتيجيتهم التي أثبتت نجاحها منذ عام 1998م وتبنيهم استراتيجية أخرى جديدة تسببت في حرب للأسعار فهذا موضوع آخر، وسيتطلب الرجوع إلى مستويات 100 دولار بعض التضحيات من القيادات المصدرة للبترول، وذلك بتحمل تخفيض الإنتاج وعدم التمسك بما اكتسب في السنوات الماضية من الحصص السوقية، كونها اكتسبت نتيجة لأمور استثنائية مرت بها بعض الدول المنتجة.
إنشرها