الضغوط على خدمات بعض القطاعات الحكومية

|
شهدت المملكة نموا سكانياً واقتصادياً متسارعاً خلال السنوات الماضية. وقاد هذا النمو إلى طفرات في الطلب على الخدمات الحكومية تجاوز في كثير من الأحيان توسعات العديد منها. وقاد هذا إلى إحداث ضغوط متزايدة على خدمات العديد من القطاعات والمؤسسات والإدارات الحكومية. وتعاني هذه الإدارات الضغوط بسبب عدم مواءمة إمكاناتها البشرية أو المادية أو الفنية لحجم أو نوع الخدمات المنوطة بها. ونتج عن هذه الضغوط إجهاد كبير لموارد وطاقات هذه الإدارات البشرية وتراجع في نوعية الخدمات المقدمة وتكاليف إضافية على مرتاديها والمحتاجين لخدماتها. ويأتي القطاع الصحي ثم القطاع التعليمي ومؤسساتهما على رأس قائمة القطاعات التي تعاني هذه الضغوط، حيث يعاني القطاع الصحي بالذات وباستمرار ومنذ تأسيسه عدم مواءمة موارده مع الخدمات المطلوبة من عموم السكان. وتعاني قطاعات أخرى من ضغوط كبيرة على خدماتها، وقد تعاني بعض فروع الإدارات الحكومية ضغوطا هائلة بسبب النقص في عدد الفروع أو النقص في الكوادر البشرية اللازمة لإنجاز الخدمات بالسرعة المطلوبة. وتعتبر جوازات مدينة الرياض من أكثر الإدارات الحكومية ازدحاما في المملكة، وقد ازدادت الضغوط على هذا الفرع بعد قرارات إصلاح أوضاع العمالة. وكان هذا الفرع يعاني الازدحام قبل هذه القرارات، حيث يضطر المراجعون إلى الإتيان باكراً للوقوف في طوابير طويلة للحصول على الخدمات ويهدرون الكثير من الوقت في إجراءات إنهاء المعاملات الرسمية، التي يتكرر حدوثها باستمرار. ويضطر الكثير من المراجعين لاستخدام سيارات الأجرة لمراجعة جوازات الرياض، حيث يتعذر العثور على مواقف لسياراتهم. وأدت كثرة الزحام في هذه المصلحة الذي يعانيه عدد آخر من المصالح الأخرى المنتشرة في مدن المملكة الكبيرة، إلى ضغوط جمة على العاملين في هذه المصالح الحكومية وعلى المراجعين أيضاً. وتقدم خدمات الجوازات وبعض الخدمات الأخرى مقابل رسوم مالية، ومع هذا يعاني الكثير من المراجعين طول الانتظار مما يزيد من امتعاضهم، ويشعر المراجعون بأن من حقهم الحصول على خدمات جيدة وسريعة في إنهاء الإجراءات الحكومية في المعاملات الرسمية وخصوصاً أنهم يدفعون رسوما مالية مقابل هذه الخدمات. ولا يحصل العاملون في هذه الإدارات على أي مكافآت أو بدلات مقابل التعامل مع الأعداد المتصاعدة من الجمهور، وضغوط العمل الكبيرة، والزيادة في أوقات العمل التي قد يجبرون على القيام بها. ومن الغريب أن مدينة كبرى مثل مدينة الرياض يقطن بها نحو ستة ملايين شخص ويحتاج معظمهم لخدمات الجوازات من فترة إلى أخرى لا يوجد بها إلا مقر جوازات واحد. وقد أدى تكدس الأعمال على هذا الفرع والضغط الكبير عليه إلى تسارع تقادم وتآكل منشآت هذا الفرع وصارت منشآته تبدو للزائر أنها قد بنيت منذ أمد بعيد. وقد فتحت مكاتب للجوازات في بعض الأسواق ولكنها لا تقوم إلا بخدمات محدودة. وتحتاج المدن الكبرى في المملكة مثل الرياض وجدة والدمام إلى زيادة منافذ العديد من الخدمات الحكومية، وذلك للتيسير على المواطنين والمقيمين، والمساعدة في تخفيف الزحام في الطرق وفك الاختناقات المرورية التي صارت شيئاً مألوفاً في كبريات مدن المملكة. وستساعد زيادة فروع الخدمات الحكومية في توفير الوقت والجهد والمال على المراجعين وعلى العاملين في مؤسسات الدولة. ويقود الضغط على المصالح الحكومية إلى بطء إنهاء الإجراءات الحكومية وكثرة الأخطاء فيها وزيادة فرص استغلال بعض أوجه الفساد كالمحسوبية والرشوة، وإلى زيادة التكاليف على المراجعين من الأفراد والمؤسسات مما يؤثر سلباً في كفاءة الاقتصاد ككل. وقد تكون الضغوط على الإدارات الحكومية ناتجة عن بعض الأنظمة والإجراءات التي ينبغي مراجعتها باستمرار وتعديلها لزيادة كفاءة عمل المؤسسات الحكومية. وللتغلب على الاختناقات في هذه الإدارات ينبغي زيادة كوادرها البشرية وزيادة الإنفاق على التقنية لتحسين أساليب عملها. ويتطلب بناء قدرات المؤسسات العامة التي تعاني الضغوط زيادة الصرف عليها الذي قد يعارضه ضيقو الأفق من البيروقراطيين. وعلى هؤلاء إدراك أن الزيادة في الإنفاق في تحسين الخدمات ستولد المزيد من النمو والمزيد من الوظائف وستجلب أيضاً المزيد من الموارد لخزانة الدولة. وتملك المملكة الموارد والخبرات للتوسع في خدمات المؤسسات الحكومية ولكن البيروقراطية الحكومية، وخوف وإحجام بعض مسؤولي هذه المؤسسات عن المبادرة والإصرار على توسعة إداراتهم، والعجز عن تقدير الطلب المستقبلي على هذه الخدمات بشكل سليم ترفع الضغوط على خدمات العديد من المصالح الحكومية وتحد من التوسع في توفير الكم الكافي من الخدمات في الوقت المناسب.
إنشرها