تراجع الين وأسعار المنتجات اليابانية

|
مثّل تراجع سعر الين إلى عتبة 100 ين للدولار انخفاضا بنسبة 22 في المائة مقابل الريال، أو ارتفاعا للريال بنسبة 28 في المائة مقابل الين الياباني خلال ما يقارب العام. وجاء هذا التراجع نتيجة التطورات الاقتصادية في اليابان، الذي يعاني منذ عام 1990 آثار الفقاعة العقارية التي عصفت بالمؤسسات المالية اليابانية وقادت إلى فترات متعددة من الركود الاقتصادي والنمو الضعيف خلال العقدين الماضيين. وأجبرت هذه التطورات السلطات النقدية اليابانية على تبني سياسات التوسع النقدي بما في ذلك التيسير الكمي لإعادة الانتعاش للاقتصاد الياباني ووقف مخاطر انكماش الأسعار الذي يعصف بالاقتصاد الياباني. ومع كل هذه السياسات لم تتراجع قيمة الين الياباني بسبب الفوائض الكبيرة في الحساب الجاري، والجمود التقريبي في الأسعار، وما يسمى التجارة المحمولة التي جاءت نتيجةً لتراجع معدلات الفائدة. وعلى الرغم من نفي الحكومة اليابانية تعمد خفض سعر الين، إلا أنه بدأ يتراجع خلال الأشهر التسعة الأخيرة الذي يعود للتوسع النقدي المبالغ فيه في الفترة الأخيرة وارتفاع مخاطر تراجع فائض الحساب الجاري. وتأمل السلطات النقدية اليابانية أن يساعد تراجع قيمة الين في خفض مخاطر انكماش الأسعار، وخفض أسعار السلع اليابانية في الأسواق الخارجية ورفع تنافسيتها. وتعتمد اليابان على الصادرات كمحرك للاقتصاد، وارتفاع الصادرات يعني زيادة النشاط الاقتصادي، وتوليد المزيد من العمل، ووقف شبح انكماش الأسعار الذي يرعب المصارف المركزية. ويرجع تخوف المصارف المركزية من انكماش الأسعار إلى تأثيرها السلبي في الاستهلاك والاستثمار الذي قد يعمق من حالات الركود الاقتصادي وقد يقود مع مرور الوقت إلى كساد اقتصادي يصعب الخروج منه. وعلى الرغم من التراجع الكبير في سعر الين الياباني لم نر أي تراجع ملموس في أسعار المنتجات اليابانية في أسواق المملكة، التي تشكل جزءا لا يستهان به من إجمالي وارداتها. ولو تراجعت أسعار السلع اليابانية بتراجع الين نفسه لأثرت بشكل ملموس وإيجابي في معدلات التضخم في المملكة. ومن الملاحظ أن المولولين من تراجع الريال مقابل العملات الخارجية لم ينبسوا ببنت شفة عند زيادة معدل صرف الريال مقابل الين. ويتبادر إلى الأذهان تساؤل عن مسببات عدم حدوث تراجع ولو جزئي لأسعار المنتجات اليابانية بعد انخفاض العملة اليابانية. وتوجد العديد من الأسباب التي تقف وراء ذلك التي من أهمها تريث مزودي السلع اليابانيين من منتجين ومستوردين وبائعين لأي خفض لأسعار السلع، وارتفاع أسعار المدخلات المستوردة الداخلة في صناعة المنتجات اليابانية، بسبب تراجع سعر العملة. وتعتمد اليابان على المواد الأولية المستوردة في تصنيع منتجاتها، لكن نسبتها تنخفض مع درجة تعقيد صناعتها: "ارتفاع القيمة المضافة المحلية". من جهةٍ أخرى، يحاول مزودو السلع الاستئثار بفوائد خفض التكاليف المحلية الناتج عن تراجع العملة أو زيادة الأسعار المقيمة بالعملة المحلية لمصلحتهم. فتراجع سعر الين الياباني يعني بالنسبة للمنتجين اليابانيين الحصول على أسعار أعلى لبضائعهم المصدرة بالين الياباني. وتتنافس السلع اليابانية في الأسواق الخارجية والداخلية مع السلع المماثلة المنتجة في دول أخرى لم تنخفض معدلات صرف عملاتها، ما يعني ثبات أسعار السلع المنافسة المنتجة في الدول الأخرى. ولهذا لا يخفض المصدر الياباني أسعاره بالعملات الأخرى على الأمد القصير لتعظيم الاستفادة من زيادة الأسعار بالين الياباني، إلا إذا كانت مستويات المنافسة بين المنتجين اليابانيين مرتفعة. أما على الأمد الطويل فإن ارتفاع الأسعار يعني ارتفاع الأرباح، ما يشجع على زيادة الإنتاج وقد يقود إلى دخول منافسين جدد في السوق اليابانية وزيادة المنافسة بين المصدرين إذا كانوا متعددين، وهذا سيخفض من استفادة المنتجين من تراجع سعر عملاتهم الوطنية وقد يعمدون إلى خفض أسعارهم بالعملات الأجنبية. وهنا ينبغي التنويه بأن كثيرا مما يسمى سلعاً يابانية أو ماركات يابانية تصنع من قبل شركات عالمية يابانية تنتشر معاملها عبر دول العالم وتؤثر تغيرات سعر الين بشكل جزئي في أسعار منتجاتها. أما المستوردون المحليون أو وكلاء الاستيراد الحصريون أو المحدودون فإنهم يملكون قوى احتكارية تتناسب مع قلة عددهم. ويقود وجود وكيل حصري واحد لمنتج رئيس إلى تحكم الوكيل في أسعار السلعة المستوردة وتصرفه كمحتكر للسلعة. وهذا التصرف يؤدي إلى استفادة المستورد المحتكر بشكل شبه كامل من تراجع معدلات صرف العملة المستوردة بها السلعة. ويحدث هذا بشكل أوضح في السلع التي تقل فيها المنافسة، فوكيل نوع معين من السيارات يحتكر بيع هذا النوع ويحدد أسعاره، لكن مخاطر منافسة الأنواع الأخرى واستحواذها على حصته في السوق تحد من قدرته على تصعيد الأسعار. ولهذا فإن وجود وكيل حصري لأي نوع رئيس من السلع مثل السيارات يوجد احتكارات ترفع الأسعار فوق الأسعار التنافسية وتحقق أرباحا اقتصادية مبالغة للمستوردين. وينتج عن هذا تحول للدخول من المستهلكين إلى المستوردين، وهذا يتطلب تدخل الجهات المسؤولة إما بفرض ضرائب على المحتكرين أو بفتح الأسواق لمزيد من المنافسة ومنع احتكار إنتاج واستيراد السلع.
إنشرها