الآن لِنَقُل: أهلا بالجمعة

|
هل هو متوقع، أم غير متوقع، هل مرغوب أم غير مرغوب وغير مطلوب.. أعتقد أن القرار الأخير لتحريك الإجازة الأسبوعية لتكون الجمعة والسبت هو قرار متوقع ومرغوب ومطلوب من أغلب الناس، وسمعنا أمس من قال إنه جاء متأخرا، وعموما يقال دائماً أن تأتي متأخرا خير من ألاّ تأتي! وفي تصوري أنه جاء في الوقت المناسب، فقد تعودنا من ولي الأمر الحكمة والروية وانتظار نمو القناعة والإجماع الشعبي لدعم أي قرار، فولي الأمر يهمه أن يستجيب لاحتياجات ومطالب الأغلبية، وهذا ما يهم، ولا يمكن تحقيق العدل المطلق، فالله سبحانه وتعالى هو من بيده ذلك. مثل كثيرين، أقول إنه متوقع لأن الملك عبد الله، حفظه الله، أخذ على عاتقه مسؤولية تحقيق ما تتطلع إليه الأغلبية من الناس، وفي كثير من قراراته كان سبّاقا إلى تحقيق ما يتطلع إليه أغلب الناس. القرار الأخير لم يأت ليلبي ضرورات إدارة الدولة المعاصرة بما تتطلبه من تفاعل مع العالم بعد تشابك المصالح وتقاربها بين الشعوب، بل هو في تصوري ''انتصار'' ليوم الجمعة، وانتصار لعودة الأسرة والعائلة في المجتمع السعودي لتجد اليوم الذي تلتقي فيه. يوم الجمعة، عندما كان هو يوم الإجازة الوحيد، كان حينئذٍ جامع العائلات في الضحى قبل الصلاة، لماذا.. لأن الناس كانت تأتي من أعمالها يوم الخميس منهكة فترد النوم باكرا، ثم تصحو لتستمتع بالبكور، وبخيره وبركته! الآن شكوى الآباء والأمهات في أغلب البيوت هي غياب الأبناء عن صلاة الجمعة أو تأخرهم عنها، حيث لا يأتون إلاّ وهم كسالى! وهذا الوضع وصلنا إليه بعد تمدد حالة السهر إلى أطراف الفجر، والشباب هم من ''يستمتع!'' بهذه الحالة، وعندما يأتي وقت صلاة الجمعة تثور أزمة في البيوت لإخراج الشباب من غرفهم ليدركوا الصلاة. وقبل شهرين وفي المسجد الذي نصلي فيه الجمعة، فاجأنا الخطيب عندما خرج عن موضوعه، ثم قال معاتبا وهو يشير إلى مدخل الجامع: يا إخواني كيف ترضون هذا الوضع، الآن الخطبة الثانية على نهايتها والناس تتوافد إلى المسجد، ثم لا أرى من الشباب إلا القليل. أين أبناؤكم؟ ألم تعلموهم أهمية صلاة الجمعة وفضل الإبكار إليها؟.. ماذا دهاكم يا إخواني؟ وكان محقا.. لم يكن بين الحضور إلا القليل من الشباب، وكدت أقف لأقول له: إنه السهر وما فعل يا شيخ! فعلا إننا إزاء سبب موضوعي، وهو السهر، وهذا ما سنكتشفه لاحقا مع التحول الجديد لجعل الخميس يوم عمل ودراسة. سيخلد الشباب والصغار وحتى الكبار إلى النوم باكرا، ونرجو أن يساعدهم هذا التحول على نهوضهم صباح الجمعة آخذين حقهم الكافي من النوم.. ولعلنا نعود لنستمتع بيوم الجمعة، كيوم للأسرة تجتمع فيه قبل الصلاة وبعد الصلاة. سابقا هكذا كان الوضع قبل تحويل الخميس إلى إجازة، فالذين عاشوا تلك المرحلة شبابا يذكرون كيف كانت العائلات بأجيالها الثلاثة، الجد والأب والحفيد، يجتمعون صباح الجمعة ثم يذهبون سوية للصلاة ويكون اجتماع العائلة الكبير على الغداء. هكذا كانت الأسرة حية وتقوم بدور حيوي لجمع الأجيال، وهذه اللقاءات الأسرية ضرورية لإدامة الترابط وتمرير دروس التربية الاجتماعية ونقل الخبرة والتجربة بين الآباء والأبناء والأحفاد. من هذه الزاوية أرى أهمية القرار الأخير لتغيير أيام الإجازة، فالجانب الديني الاجتماعي ربما يقدم على الاعتبارات والمنافع الاقتصادية والتجارية المهمة التي بحول الله سيأتي بها هذا القرار. وضع الشباب وتساهلهم في صلاة الجمعة أمر خطير وخطباء الجمعة والدعاة كانوا محقين عندما يعاتبون الآباء على غياب أبنائهم عن الصلاة، وأجزم أن الكثير من الآباء والأمهات أيضاً لم يكونوا أقل قلقا منهم، ولكن الارتباك في مجتمعنا حول ترتيب الأولويات أدى إلى تراجع واضح ومقلق لدور الأسرة الحاضن الضابط للشباب، وهذا ناتج عن النمو المؤسف لظاهرة السهر وانقلاب الليل على النهار، وتحول الليل إلى معاش الناس وتفاعلهم. ظاهرة السهر هي سرطان مجتمعنا، فهي التي تغذي ظاهرة الاستهلاك، وتنشر الأمراض، وتساعد على تفكك الأسر وتحرمنا متعة الصباح.. وترخي ستار الليل على مشاكل كثيرة لا نراها. لقد سبق أن ذكرت أن مجتمعنا في حاجة ماسة إلى القرارات والتشريعات التي ترتب أولوياته وتحدياته، بالذات ما تعيده إليه بساطته، وتعيد إليه الأدوار الحيوية التي فقدها، وفي المقدمة دور الأسرة الحاضن الراعي الموجه للشباب، ولا غرابة أن نجد في أولى مواد النظام الأساسي للحكم التأكيد على أهمية الأسرة في المجتمع السعودي. العديد من المشاكل التي نواجهها الآن، وهي نتاج طبيعي لعملية التطوير والتحديث التي نحتاج إليها ونطالب بها، والعديد من هذه المشاكل.. حلها أو الحد من تأثيراتها المتعدية لا يحتاج إلى نفقات مالية كبيرة، تحتاج إلى استثمار الجبهة الداخلية وتماسكها، ورغبة الأغلبية الجادة في دخول الدولة بقوة لمعالجة المشكلات التي تواجهنا وتؤثر في حيوية المجتمع. الناس تدرك مشكلاتها وتشعر بآثارها السلبية، ولكن العقد الاجتماعي بينها وبين السلطة يجعلها تنتظر الحلول لهذه المشاكل، وهي مستعدة لقبولها والتفاعل معها إذا جاءت في وقتها، والحديث هنا عن الأغلبية الصامتة المشغولة بمعاشها وحياتها اليومية الخاصة، هذه الفئة عادة تثق بالحكومات وبالإجراءات التي تتخذها، وهي عادة مهيأة نفسيا وفكريا لتقديم التنازلات للآثار التي قد تترتب عليها، إذا أدركت أن ثمة مصلحة عامة خلف قرارات الحكومة. الآن لدينا العديد من الأنظمة والقرارات الضرورية التي تتخذها الحكومة ويدعمها الملك عبد الله ـــ حفظه الله ــــ ويقدم عليها مدعوما بسلطاته النظامية ومستثمرا حب الناس له والمكانة العالية التي يضعه شعبه فيها، ومن هذه الإصلاحات، على سبيل المثال، تصحيح أوضاع سوق العمل والتجارة، فالانتفاضة الحكومية الجادة الآن على هذه الجبهة ستجعلنا نكتشف عمق وكثرة الفرص المتاحة لشبابنا ليستفيدوا من خيرات بلادهم العديدة. بحول الله إذا استمرت هذه الإصلاحات الهيكلية الجارية، فالشباب سيجدون أنفسهم بعد عامين محتارين في الخيارات المتاحة أمامهم للكسب المشروع المتاح في مجالات عديدة، وثمة حالة تفاؤل ومعها مؤشرات إيجابية يصرح بها أغلب الناس حول الفرص القادمة في قطاع تجارة التجزئة وفي سوق العمل.. إنه ربيع الخير الدائم في مجتمعنا. الآن.. دعونا نقول: ''أهللللللللا بيوم الجمعة''، يوم عيد حقيقي، واستعدوا لساعات الضحى الجميلة، واستعيدوا ''مائدة العائلة''. دعم الخطوط السعودية أخونا الدكتور عبد العزيز الخضيري، في مقاله ''عدد أمس في هذه الجريدة''، قدم في شأن النقل العام رأيا وطنيا سديدا، كما هي أطروحاته المتميزة دائماً في الشأن الوطني. لقد ساق مبررات فنية وموضوعية لدعم النقل الجوي، بالذات دعم ''الخطوط السعودية''. هذا التوجه يخدم أهدافا وطنية واقتصادية، ففي مسار البعد الوطني يظل النقل الجوي هو الخيار الأمثل والأنسب لمساعدة الناس في السنوات الخمس القادمة حتى تكتمل وتتوسع مشاريع النقل الأساسية بين المناطق. الخطوط السعودية، بعد النقلة الإيجابية الكبيرة التي شهدتها، مشكلتها الآن في نقص أسطولها الجوي، وهذه المشكلة لن تحلها لوحدها إذا لم تتدخل الدولة وتدعمها بقرض حسن طويل المدى يساعدها لتوسيع أسطولها. السؤال: ما المانع من ذلك، لماذا لا تتدخل الدولة لمساعدة الناس، وليس لمساعدة الخطوط السعودية، فلدينا المرضى، ولدينا العجزة الذين لا يستطيعون السفر لساعات طويلة في البر، ولدينا أصحاب الأعمال. لماذا لا تشتري الدولة الرضا الوطني عبر هذا المشروع الذي تتخطى أهدافه الاقتصادية، إلى الأبعاد الوطنية والإنسانية.
إنشرها