إلى هيئة الاتصالات: الرقابة بدل الإيقاف

كشفت صحيفتا ''الجارديان'' و''الواشنطن بوست'' عن برنامج PRISM الذي يستهدف مراقبة البيانات الخاصة بمستخدمي مواقع تسعة من كبرى شركات الحاسب الآلي في الولايات المتحدة. هذا ما تم الكشف عنه، وفي ظني أن المشروع أشمل مما أعلن عنه في الصحافة. يراقب البرنامج المحادثات ومقاطع الفيديو والبريد الإلكتروني والبيانات وعمليات البحث والصور وغيرها مما يتم تداوله في مواقع شركات ياهو وأبل وفيس بوك وسكايب وجوجل وأمريكا أونلاين وبالتوك ويوتيوب ومايكروسوفت. بدأت المراقبة بشركة واحدة ثم أضيفت الشركات بناء على حجم التراسل الذي يمر من خلال شبكاتها. أنكرت جميع الشركات التي تم الاتصال بها علمها بوجود البرنامج ''وهو أمر متوقع''، ولكنه غير محتمل. السبب الرئيس في ذلك هو أن عمليات الاعتراض التي تتم على البيانات المرسلة لا بد أن تكتشف من قبل أنظمة الحماية التي تتوافر لدى هذه الشركات، وهي الأفضل في المجال. جميع الشركات مطالبة بتزويد الجهات الأمنية بأي معلومات تطلبها قانونا، دون تقديم أي مبررات. غلب على عمليات تسليم المعلومات المتداولة البطء في السابق، دفع هذا إدارة الأمن القومي الأمريكية إلى تكوين هذا النظام الذي يزودها بالمعلومات بشكل فوري. أعتقد أن البرنامج منفذ بالتعاون مع الشركات الكبرى، وقد يكون شرطا للترخيص لها بالعمل، وقد تكون موعودة بالمحافظة على سرية تزويدها للنظام بالمعلومات. هذا الاعتقاد مرده عدة أسباب منها: - تكلفة البرنامج منخفضة بشكل لا يصدق. تذكر التقارير أن البرنامج ينفق عليه 20 مليون دولار في السنة. إن عملية مراقبة الكم الهائل من البيانات المرسلة خلال هذه الشركات لا يمكن أن تكون بهذا الحجم المنخفض. هذا يعني أن الشركات قد تكون مكلفة بالسماح للنظام لتنفيذ المراقبة على نفقتها الخاصة، مع ملاحظة أن أغلب هذه الشركات تحتفظ بخوادم تسيطر على كل العمليات على مستوى العالم. - يعمل النظام بالتوازي مع نظام مراقبة الخطوط الهاتفية، وهو نظام مطبق بناء على قانون صادر من الكونجرس، وهو مُلزم لكل مشغلي الخطوط الهاتفية في الولايات المتحدة، وهذا يعطيه الصفة القانونية. - إن الكم الكبير من المعلومات المتداولة يستدعي وجود آلية سريعة لفصل المعلومات المهمة عن غيرها، كما يتطلب وجود أنظمة تخزين ذات تقنية وتكلفة عاليتين، ما لا يمكن أن تتحمل الوكالة تكاليف تطويره بإمكاناتها الذاتية. - أدى نشر المعلومات في وسائل الإعلام إلى ردة فعل واثقة من الرئيس أوباما الذي أكد أن البرنامج لا يؤثر في حياة المواطن العادية، ويركز على الأنشطة العدائية، حيث قال: ''لا يمكن أن نحصل على 100 في المائة من الحرية و100 في المائة من الأمن، لا بد أن نحدد خياراتنا كمجتمع''. - الأمر الأكثر لفتا للنظر هو رد فعل أعضاء الكونجرس من الحزبين عندما سئلوا عن البرنامج، وأكدوا أنه من صالح الدولة ويجب ألا يعتبره المواطن محاولة للإضرار بخصوصيته، مقارنة بأمن الوطن بأكمله. تبدأ في هذه المرحلة نقاشات تتعلق بأهمية الخصوصية الشخصية مقارنة بالمحافظة على الأمن الوطني. ولعل الولايات المتحدة تكون أكثر الدول الغربية حساسية في هذه الناحية، خصوصا بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر)، وهي عذر يستخدمه كل من يحاول أن يضيف إلى عمليات الرقابة والتفتيش والتدقيق على المواطنين والأجانب. تحاول الأجهزة الأمنية في الولايات المتحدة أن تبني الكثير من إجراءاتها على الشعور الموجود لدى المواطن بالخطر القادم، والمحافظة على استمراره. لذلك نجد أن الكثير من القصص نسجت منذ بدايات أجهزة المخابرات الأمريكية، بعضها لا يعلم عنه حتى رئيس الدولة أو الوزراء في الحكومة الأمريكية، وهناك شواهد كثيرة منذ أيام هوفر في المباحث الفيدرالية وحتى احتلال العراق في عام 2003. يظل السؤال قائما لدى الجهات الأمنية في دول مستهدفة مثل المملكة. هل كان بالإمكان التعامل مع إشكالات أمنية بشكل أسرع من خلال تكوين نظام رقابي على الاتصالات والإنترنت؟ مؤكد أن هناك الكثير من الجهود التي تبذلها منظومات الأمن في كل دول العالم، لضمان استخدام التقنية بما لا يعرض أمن الدولة للخطر. وهناك الكثير من الأمثلة التي يمكن أن تطرح في السياق. أغلب دول العالم تواجه مشكلة مهمة وهي أن خوادم الشركات مركزية، والولايات المتحدة لا تواجه هذه المشكلة بحكم وجود مراكز المعلومات داخل محيط نظام الرقابة الأمني. هذا يستدعي أن تكون الأنظمة المعتمدة في الدول الأخرى أكثر تكلفة وأعلى تقنية. يضاف إلى أهمية التغطية الأمنية لكل الاتصالات وشبكات المعلومات، قضية التعاون بين جهات الرقابة الأمنية، حيث يمكن تحقيق عملية رقابة على مستوى عال وبتكلفة أقل، بدل تكرار الأنظمة في كل قطاع على حدة. من المهم أيضا أن نعلم جميعا أن أنظمة الرقابة هذه هي لحماية أمن الدولة والمواطنين، وليس هناك من ضرر على المعلومات الأسرية أو التجارية أو الشخصية، لأنها ليست مستهدفة من قبل هذه الأنظمة التي تعمل آليا دون تدخل البشر. على أن الهدف النهائي هو إلغاء المفاجآت، وتنفيذ الرقابة بشكل اقتصادي وبتقنية عالية. وهو ما يؤيده الجميع ''بزعمي''.
إنشرها