قهوة لطيفة

تعشق لطيفة عبد الله الوعلان القهوة العربية كالكثير منا. لكن كان يزعجها الوقت الطويل الذي يستغرقه تحضيرها. ازدادت معاناتها عندما سافرت إلى واشنطن لدراسة الماجستير في إدارة التقنية. فقد كانت تعلن حالة طوارئ في شقتها عندما تقوم بإعدادها. وترجئ كل ارتباطاتها الدراسية والخاصة من أجل أن تنعم بفنجان قهوة. حرصت لطيفة أن تجد حلا لمعاناتها عبر استخدام أدوات ومعدات حديثة تمنحها قهوتها الفاخرة بيسر وسرعة معا. حولت شقتها الصغيرة في أمريكا إلى معمل تجارب تزدحم فيه آلات وأدوات تحضير القهوة المختلفة لعلها تخفض عملية إعدادها. لكن معاناتها استمرت. فتحضير القهوة ما زال يتطلب الكثير من الوقت والتركيز والبهارات والتوابل. وصلت لطيفة مع التقنيات المتوافرة في الأسواق، وقتئذ، إلى طريق مسدود. رأت أن الخيار المناسب هو اختراع آلة لتحضير القهوة العربية الفورية. زارت وراسلت مصانع مختلفة في أرجاء العالم لتشرح فكرتها وتبلورها. بعد شهور عديدة من المراسلات والزيارات وجدت ضالتها في أحد المصانع. نجحت لطيفة بعد محاولات متعددة في أن تنتج آلة فورية لتحضير القهوة ودلة معا رأت أنها جديرة بالاستثمار والتسويق تجاريا. شرعت لطيفة بعد أن ظفرت بالآلة أن تقوم بتسجيلها كبراءة اختراع. ثم اختارت اسم ''يتوق'' لمشروعها. فمعنى التَّوْقُ في معجم لسان العرب: ''تُؤُوق النفس إلى الشيء وهو نِزاعها إليه. تاقَت نفْسي إلى الشيء أي اشتاقت إليه''. لقد أحست بأن ''يتوق'' هو الأنسب لقهوتها، فهو يعبر عن الشعور الذي يخامرها تجاه القهوة العربية. سجلت الاسم كمنشأة تجارية. واستعانت لطيفة بصديقتها مصممة الجغرافيك، سجى الحسين، لتصميم هوية ومطبوعات المؤسسة، وصندوق تغليف الآلة ''دلة يتوق''. أما موقع ''يتوق'' الإلكتروني فطورته إحدى صديقاتها، مها خلف، وهي متخصصة في المتاجر الإلكترونية. واعتمدت لطيفة في جانب التسويق على طالبات جامعيات للعمل معها بشكل جزئي. وأوكلت مهمة التخليص الجمركي إلى مكتب عمها سلطان الوعلان، وهو شاب وريادي أعمال. وأشرف على حفل إطلاق مشروعها شركة ''منصة ميز'' التي تديرها ابنة خالها، دانة العجاجي وصديقتها، نور العبد الكريم، وهما إحدى مؤسسات شبكة صلة. وعندما توسعت ''يتوق'' انضم إلى فريقها الإداري، ابنة عمها، عنود الوعلان. لقد حققت دلة ''يتوق'' نجاحا كبيرا منذ انطلاقها، حيث وصل الموقع طلبات بالآلاف من السعودية وأنحاء العالم. من سعوديين وغير سعوديين. من مبتعثين ومحبين للقهوة العربية في أرجاء المعمورة. معاناة لطيفة مع القهوة هي نفس معاناتنا جميعا. لكنها وحدها التي بادرت بالتصدي لهذه المعاناة. حولتها من مصدر شقاء إلى مصدر ارتقاء. اللافت في مشروع لطيفة هو روح العمل الجماعي الذي تبنته لثقتها بأن العمل الفردي مهما كان مميزا لا يصنع عملا مؤسساتيا ينمو ويكبر. لطيفة التي تعمل على تغيير صناعة القهوة العربية بـ ''دلتها'' الجديدة تدرك أن طموحاتها تحتاج إلى سواعد وعقول متعددة تساعدها للوصول إلى أهدافها الكبيرة. هناك ألف سبب كان بوسعه أن يثبط لطيفة ويجعلها تتوقف عن استكمال المشروع. لكن الإرادة جعلت اسم مؤسستها يكبر بسرعة قياسية. لطيفة نموذج جدير بالاقتداء. استفادت من أصدقائها وأقاربها الموهوبين واستثمرتهم للعمل والحلم معها. يزداد إيماني يوما بعد يوم بأنه كلما أحطت نفسك بالموهوبين والمبدعين ازددت إبداعا وطموحا، وكلما سلمت نفسك للمثبطين تراجعت إلى الوراء. وهذا ما فعلته لطيفة تماما حينما زرعت أحلامها وسط بستان من الورد المتمثل في المبدعين من حولها. الحياة مثل فنجان القهوة قصيرة وساخنة، تحتاج إلى من يرتشفها بمتعة وسرعة معا، قبل أن تبرد وتفقد نكهتها.
إنشرها