المدرس الخصوصي بـ 100 ألف ريال

|
تنتشر في مجتمعنا ظاهرة الدروس الخصوصية، خصوصا قبيل الاختبارات النهائية حتى أصبحت بحق مصدر رزق سميناً لكثير من الوافدين سواء أكانوا يعملون في التعليم أم أتوا محارم لزوجاتهم وقريباتهم، بل إن بعضهم وجدها وظيفة مجدية تستحق المغامرة، فهجر مهنته الحقيقية من كهرباء أو سباكة أو علاقات عامة وتوجه للدروس الخصوصية. وكان من المفترض أن تتقلص ظاهرة الدروس الخصوصية، خصوصا بين طلاب الثانوية العامة، عندما حجمت الجامعات أهمية مؤهل الثانوية ووضعت معايير عدة للقبول كالقدرات والتحصيل إلا أن الأمر زاد على سابقه. ونشرت "عكاظ" في عدد لها الأسبوع الماضي تقريرا مفصلا عن ظاهرة الدروس الخصوصية وأهم روادها والمستفيدين منها وكيف أنها أصبحت سمة بيئتنا التعليمية والأكاديمية في المدارس والجامعات، وأن الكل - الطلاب وأولياء الأمور - يهرعون وراءها طوعا أو كرها. ونريد في هذا المقال أن نلقي الضوء على هذه الظاهرة، وحتى لا تتفرق بنا السبل سيقتصر نقاشنا على ثلاثة محاور رئيسة لها علاقة مباشرة بتفاقم الدروس الخصوصية، هي: النظام التعليمي، المستفيدون من الدروس الخصوصية من الطلاب وأولياء الأمور، ومروجو الدروس الخصوصية، وترفعت أن أطلق عليهم معلمين لأنهم لا يمارسون التعليم، بل يروجون لبضاعة مزجاة، وقد أعذرهم بعض الشيء فنحن الذين هيأنا لهم الظروف وصنعنا لهم الوظائف. في البداية أرى أن نظامنا التعليمي له دور بارز في تفاقم أزمة الدروس الخصوصية وإبقائها مهنة مربحة ووظيفة من لم يجد له عملا أو من أراد أن يزيد دخله ويسترزق على جيوب المواطنين. وتكمن مشاركة المؤسسات التعليمية في تفاقم هذه الأزمة من آلياتها في التقييم وتغييرها المناهج في كل حين ومعرفتها بسوق الدروس الخصوصية دون أن تحرك ساكنا. وقد كان الكثيرون من أبنائنا يتعاقدون مع كثير من عارضي خدماتهم من الدروس الخصوصية إبان كان مؤهل الثانوية العامة المعيار الوحيد للقبول في الجامعات، وعندما أصبحت هناك معايير أخرى للتقييم، إضافة إلى مؤهل الثانوية العامة، زادت هذه المهنة رواجا فأصبح الطالب يحصل على دروس خصوصية في اختبار القدرات وأخرى في التحصيلي وثالثة في المقابلة الشخصية وغيرها. ورغم المساهمة الفاعلة للنظام التعليمي في انتشار الدروس الخصوصية إلا أن المصدر الرئيس هنا هم المواطنون. فبعض أولياء الأمور يعتقدون أن الدروس الخصوصية ستمنح أبناءهم فرصا أخرى للاستذكار والتحصيل لا يظفر بها أقرانهم، وهم لا يعلمون أنهم بطريقتهم هذه يعودون أبناءهم الإهمال والكسل وعدم الاهتمام واللامبالاة بالدروس التي تلقى في قاعات الدرس، ما يسبب لهم تبلدا ذهنيا، فهم (الطلاب) يعلمون أن من يعولونهم سيوفرون لهم درسا خصوصيا يعيد عليهم ما فقدوه خلال العام الدراسي. وهذا يتجلى لنا في استعراض بعض الطلاب وأولياء الأمور في تجمعاتنا أمام الناس أن ابنه/ ابنته لديه مدرس للرياضيات وآخر للعلوم وثالث للغة العربية ورابع للغة الإنجليزية، بل وصل الأمر أن هناك مدرسا خاصا للغة الفرنسية والموسيقى ومخارج الحروف. وهؤلاء المترفون لا يبنون أجيالا ولا ينمون عقولا، بل يعدون جيلا كسولا معتوها يغلب عليه البلادة، وفي الوقت نفسه ينشئون سوقا لمحارم المتعاقدات وللعمالة السائبة، فبعض التقارير تذكر أن هناك فئة من الذين يقدمون الدروس الخصوصية هم في الأصل مهنيون أو رعاة أغنام أو محارم أتوا مرافقين لزوجاتهم، وعندما وجدوا سوق الدروس الخصوصية رائجة هجروا مهمتهم الأصلية واتجهوا إليها. وأضاف تقرير "عكاظ" السالف الذكر أن دخل المدرس الخصوصي يقدر في بعض الشهور بما يفوق 100 ألف ريال! تخيل معي وافدا أتي بفيزا عامل يفترض أن يتقاضى 800 ريال كحد أقصى يحصل على 100 ألف ريال في الشهر بدعم مني ومنك! كم تستغرق أنت من الوقت كي تحصل على هذا المبلغ؟ كما أننا لا نعلم ما الذي يدور بين الطالب/الطالبة والمدرس/المدرسة في منزل الأخير، فمهمتنا أننا نوصل أبناءنا إلى دهاليز من أسموا أنفسهم المعلمين ونراقبهم خلال اليوم الأول ولا ندري ما الذي يحدث بعد ذلك، بل إن بعض المواطنين لا يمانعون أن يدرس المعلم (رجل) ابنته ولو في خلوة، بل يجاهر البعض بهذا أمام الناس، فإذا لم تستح فاصنع ما تشاء. كما أن للمدرسين والمعلمين وأساتذة الجامعات من سعوديين وغير سعوديين دورا في ذلك، فالبعض يخل بالفعل بواجباته ولا يعطي موضوع الدرس حقه في القاعة، ما يلجئ كثيرا من الطلاب إلى الاستعانة بالدروس الخصوصية، بل إن بعض المعلمين يتعمدون تعقيد المادة العلمية في القاعة من أجل أن يُستعان بهم في دورس خصوصية، وهذا ليس حكرا على المؤسسات التعليمية الحكومية، بل حتى المدارس الخاصة، حيث نجد ولي الأمر يدفع رسوم المدرسة الخاصة ثم يعقبه بدفع فاتورة الدروس الخصوصية لبعض المعلمين/المعلمات الذين يدرسون المنهج نفسه في المدرسة، تدفع جهار نهارا لبعض المعلمين في المدرسة الخاصة وبعلم مدير/ مديرة المدرسة ورضا أولياء الأمور واطلاع وزارة التربية والتعليم. هذه قراءة سريعة لتفاقم ظاهرة الدروس الخصوصية التي يجب علينا أن نتكاتف لمعالجتها ورد الأمور إلى نصابها ونحمي بلادنا وأبناءنا وأمننا الفكري والتعليمي من تفاقم هذه المشكلة، وأخص بذلك المواطن، فقد فاجأنا قبل أشهر عدة ظهور فئة من الإثيوبيين في بعض الجهات بالتقتيل والإفساد في الأرض، والذين كنا بالأمس نطعمهم ونؤويهم ونستعملهم، وأظن مروجي الدروس الخصوصية الذين نتعاون معهم في حين غفلة من الأجهزة الأمنية سيسددون سهامهم إلينا إذا لم نتوقف عن هذا الترف ونحث أبناءنا على الاعتماد على أنفسهم. وحتى نعطى الموضوع حقه علينا أن نعرض هذه القضية للرأي العام على هيئة ندوة نغطي فيها بعض المحاور المهمة منها: كيف بدأت مهنة الدروس الخصوصية؟ أسبابها؟ ومن تزعمها؟ ومن يقف وراءها؟ وهل لنظامنا التعليمي دور في رواجها؟ وهل هي ظاهرة دولية أم أنها مقتصرة على مجتمعات بعينها؟ وأخيرا نريد أن نقترح الحلول العملية للقضاء عليها.
إنشرها