تمويل المنشآت الصغيرة .. البنوك تتحفظ والمشاريع تتعثر

دعا مختصون إلى إيجاد آلية جديدة لتمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة والمبادرين من شباب الأعمال، مؤكدين أن المصارف المحلية عليها دور كبير في إيجاد التمويل المطلوب لدعم هذا القطاع الحيوي الذي يمثل النسبة الأكبر للاقتصاد المحلي. ويشير المختصون إلى أن الكثير من المشاريع المبتكرة وذات الجدوى الاقتصادية الجيدة يفشل تنفيذها قبل البدء فيها لعدم التمويل المطلوب، أو لمضاعفة الأرباح التمويلية في حالة اللجوء إلى جهات تمويلية أخرى من خارج المصارف المحلية. في حين يرى البعض أن كثيرا من المبادرين يضطرون إلى شراكات مقابل منح الشريك نسبة كبيرة في المشروع وبتمويل أقل بهدف إنقاذ الفكرة أو المشروع من عدم تنفيذه. وفي هذا الصدد قال ردن بن صعفق الدويش رئيس شركة الحاكمية للتطوير العقاري لـ ''الاقتصادية''، إن اقتصاديات المنشآت الصغيرة والمتوسطة تشكل عصباً مهماً للاقتصاد الوطني، وحسب إحصاءات غير رسمية فإنها تشكل نحو 93 في المائة من مجموع الأعمال التجارية، وتسهم بنسبة 40 في المائة من مجموع الوظائف، وتصل مساهمتها في إجمالي الناتج المحلي إلى 33 في المائة، لذلك من الضروري الاهتمام بها وتسهيل أدائها في السوق، وحمايتها بالنظم والتشريعات المناسبة. وقال الدويش إن مشكلة التمويل تمثل العقبة الرئيسة في استمرارية تلك المنشآت التي تعتمد في الغالب على التمويل المصرفي أكثر من التمويل الحكومي، لكنها تصطدم بتحفظ في الإقراض من قبل المصارف لأسباب عدة تندرج تحت اعتبارات المخاطر، خاصة في ظل عدم وجود قوائم مالية لدى العديد من المنشآت الصغيرة والمتوسطة، مشيرا إلى أنه أمام تحفظ المصارف المبالغ فيه يلجأ العديد من أصحاب الأعمال الشباب والرواد إلى طرق بديلة في الحصول على تمويل مثل القروض الشخصية، أو شراء سيارات وسلع باستخدام برامج التمويل ومن ثم بيعها مما يشكل فائدة مرتفعة عليهم قد تصل في بعض الأحيان إلى 20 في المائة. وفي الغالب يؤدي ذلك إلى تعثرها بعد فتره من الزمن. وحول دور المصارف في التمويل قال: موقف البنوك يظل غريباً ومتحفظاً بشكل مُبالغ فيه، خاصة إذا رجعنا إلى تعريف الصندوق السعودي للتنمية الصناعية ونظام كفالة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة، على أنها المنشآت التي لا تزيد مبيعاتها السنوية على 20 مليون ريال، لذلك نحن نتحدث عن مبالغ تمويل ليست بالكبيرة قياسا بحجم فائدة تلك المنشآت للاقتصاد الكلي. والمصارف استطاعت عبر ''سمه'' ضبط السجلات الائتمانية للأفراد والتعامل معهم، وتستطيع بالطريقة ذاتها أن تضبط تعاملاتها مع تلك المنشآت. وطالب الدويش المصارف بتسهيل عمليات الإقراض وابتكار برامج تخاطب هذا القطاع وتقدم له التسهيلات، مشيرا إلى أن مؤسسة النقد عليها دور كبير في سن تشريعات ملائمة تضمن حقوق الطرفين وتسهم في دعم تلك المنشآت لمصلحة الاقتصاد الوطني. من جهته، أكد خالد بن عبد العزيز الغليقة عضو لجنة تنمية المنشآت الصغيرة والمتوسطة في غرفة الرياض سابقا: أن دور المصارف ما زال ضعيفا في دعم وتمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة، ولم تمد يد المساعدة لأصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة، ما يضطرهم ويدفعهم للاقتراض أحيانا من جهات تمويلية أخرى مثل شركات التقسيط وغيرها التي تصل نسبة أرباح القروض لديها إلى 20 في المائة، وأحيانا يضطرون لشراكات مع جهات تستغلهم وتستثمر المبادرة والأفكار الاستثمارية مقابل نسب بسيطة لأصحابها الذين يضطرون لهذه الشراكات بهدف تنفيذها في ظل عدم التمويل الكافي من المصارف. وأشار إلى أن لجنة تنمية المنشآت الصغيرة والمتوسطة في غرفة الرياض بذلت جهودا كبيرة في الفترة الماضية لإيجاد حلول، وذلك من خلال العديد من الدراسات، وتبين أن الحاجة إلى إيجاد هيئة حكومية لضمان القروض أو لضمان فاعلية تأمين القروض واستعادتها، بينما تواصل اللجنة الحالية برئاسة خلف الشمري جهودها في هذا الجانب وساهمت في تفعيل بعض المشاريع ومنها مشروع ''كفالة'' بينما نجد أن بنك الادخار والاستثمار في طور التفعيل. وأشار الغليقة إلى أن هناك الكثير من المبادرين والمستثمرين والمخترعين يتذمرون لعدم الحصول على تمويل لتنفيذ مشاريعهم ذات الجدوى الاقتصادية الجيدة والمبتكرة، في حين أن البعض فوجئ بالإعلان في الصحف منتج جديد في السوق من شركات أجنبية في الوقت الذي كان هو السباق وصاحب الفكرة، لكن التمويل حال دون أن يظهر مشروعه للنور ويسهم في دعم الاقتصاد الوطني، وبالتالي منحت الفرصة للمنتج الأجنبي أن يغزو أسواقنا. وقال الغليقة: إن المصارف عليها دور مهم في تمويل الكثير من تلك المشاريع وفق دراسات الجدوى، خاصة المبتكرة منها، وإن تضع في برامجها برامج ومبادرات لدعم الكثير من تلك المشاريع، على غرار تفاعلها مع أصحاب الديون المعدومة من رجال الأعمال، وبدلا من أن تقرض رجل أعمال 100 مليون ريال مثلا، فلماذا لا توزع مثل هذا المبلغ على أكثر من مشروع وفق دراسات المشروع؟ مشيرا إلى أن المصارف تتحمل جزءا من اللوم في ضعف دورها في تمويل شباب الأعمال وأصحاب المنشآت الصغيرة والمتوسطة، بينما اللوم يقع على الدولة التي لم تضغط على المصارف في تمويل المشاريع التي تعد قيمة مضافة للاقتصاد السعودي، خاصة أن الشركات الكبيرة في السعودية في حاجة إلى الكثير من المنتجات التي يمكن أن تقوم بتأمينها منشآت صغيرة ومتوسطة بدلا من استيرادها من شركات أجنبية. وحول المطالبة بإنشاء بنك لتمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة قال الغليقة: نتمنى إيجاد مصرف على غرار البنك العقاري والبنك الزراعي اللذين يجدان الدعم من الدولة، وتكون شروط وآليات التمويل مختلفة عما هي موجودة في بنك التنمية الصناعي الذي يهتم بالمشاريع الصناعية الكبيرة فقط. وفي الوقت نفسه يجب أن يذهب التمويل للمشاريع المبتكرة وذات الجدوى الاقتصادية قبل المشاريع التقليدية والمشابهة لما هو موجود. وأكد أن وجود التمويل الكافي سيوسع من قطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وسيخلق فرصا وظيفية وعوائد جيدة على أصحاب المشروع والدخل القومي، خاصة أن البيئة الاستثمارية في السعودية واعدة وقادرة على استيعاب الكثير من المشاريع في مختلف القطاعات. الفرص الاستثمارية متاحة وهناك مدن صناعية، ومنها مدينة سدير، فيها فرص ومساحات كبيرة لم توزع بعد وكذلك الخرج وغيرها، والبنية جيدة للاستثمارات. من جانب آخر، قال مروان الفالح عضو شباب الأعمال في غرفة المنطقة الشرقية، إن ضعف تمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة يعد من أهم تحديات التمويل التي تواجه شباب الأعمال نتيجة الشروط التعجيزية التي تفرضها المصارف السعودية ككثرة الضمانات،إضافة إلى طلب ضمان مصرفي بقيمة القرض، وارتفاع سعر الإقراض. وقال إنه في ظل جهود الدولة لدعم قطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة وشباب الأعمال تم تأسيس برنامج كفالة بغرض تغطية نسبة من مخاطر المصارف ولتشجيعها على منح التمويل لتلك المنشآت، وتم أيضا رفع نسبة التمويل، لكن – مع الأسف - المصارف كانت سببا أساسيا في فشل البرنامج لاستمراريتها في التمسك بشروطها التعجيزية. وأشارا إلى أن مشروع سمه ''تقييم'' لدرء مخاطر تمويل تلك المنشآت الذي أعلن عنه أخيرا هو عامل آخر ومهم لتحفيز المصارف لتمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة، إلا أن تلك المنشآت ما زالت تواجه معدلات رفض عالية عند طلب التمويل. وقال الفالح: إن المصارف المحلية تستمر في التنصل من مسؤوليتها تجاه هذا القطاع، حيث إن تمويل تلك المصارف للمنشآت الصغيرة لا يتجاوز 2 في المائة فقط من إجمالي إقراض المصارف السعودية، بينما تذهب النسبة الأكبر من حجم التمويل للشركات الكبيرة على الرغم من أن قطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة تمثل أكثر من 90 في المائة من القطاع الاقتصادي. وأشار إلى غياب الإدارات المتخصصة لهذا القطاع في معظم البنوك. وأشار إلى أن قلة عدد البنوك ساهمت في تفاقم الوضع في غياب فاعلية جهات تمويلية أخرى كبنك التسليف، الذي يعتبره كثير من شباب الأعمال يغرد خارج السرب، وهو ما دفع بكثير من شباب الأعمال إلى الاعتماد على أفراد أسرهم وأصدقائهم في التمويل للخروج من البيروقراطية والعراقيل التي تواجههم من قبل معظم الجهات التمويلية في المملكة. بينما لم يجد الكثير منهم فرصا تمويلية، ما أدى إلى تعثرهم وفشل منشآتهم، معتبرا تلك العراقيل سببا في إحباط وتقليل حماس كثير من شباب الأعمال، ما أدى إلى تخليهم أو تأجيلهم تنفيذ الكثير من الأفكار الاستثمارية وإنشاء منشآت جديدة. خاصة أن هناك شبابا طموحا في المملكة لا يريد وظائف فقط بل يريد إنشاء منشآت تعود فائدتها عليهم وعلى بلدهم عن طريق فاعلية مساهمتها في الناتج المحلي وخلق وظائف جديدة. ودعا الفالح إلى إنشاء هيئة مستقلة مختصة بالمنشآت الصغيرة والمتوسطة أو تعديل نظام الهيئة العامة للاستثمار ليشمل دعم تلك المنشآت، مضيفا أن تقليل الضمانات المطلوبة من المنشآت الصغيرة والمتوسطة سيسهم في زيادة فاعليه التمويل لتلك المنشآت ما سيساعد بشكل كبير في خفض نسبة البطالة كون تلك المنشآت تخلق فرصا وظيفية كثيرة. وأضاف الفالح: إن حل معوقات تمويل شباب الأعمال والمبادرين لا يتم فقط عن طريق تسهيل الإقراض من الجهات التمويلية، لكن أيضا عن طريق إيجاد حلول تمويلية أخرى كالمشاركة من خلال صناديق رأس المال الجريء التي لا تكاد توجد في المملكة. وجود هذه الصناديق سيؤثر إيجابيا في نسبة نمو المنشآت الصغيرة والمتوسطة كما حدث في عديد من الدول. من جانبه، خالف طلعت حافظ الأمين العام للجنة الإعلام والتوعية المصرفية كثيرا من الآراء والانتقادات التي تطول المصارف حول تقصيرها في تمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة أو أصحاب المبادرات الاستثمارية من شباب الأعمال، مشيرا إلى المصارف تولي اهتماما وإيمانا كبيرا بقطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة الذي يعد من أهم القطاعات الاقتصادية سواء على مستوى ودعم النمو أو من حيث توطين الوظائف كونه يمثل 90 في المائة من الاقتصاد المحلي وقابل لاستيعاب وتوطين الكثير من الوظائف في سوق العمل. وقال طلعت حافظ إن المصارف ساهمت وبشكل كبير في تأهيل الكثير من الكوادر البشرية وخصصت ميزانيات كبيرة لإجراء الكثير من الدارسات حول هذا الجانب لتوفير وتقديم ما يمكن تقديمه لهذا القطاع، بيد أنها ساهمت في الدعم والتمويل لكثير من المشاريع حيث بلغ حجم التمويل 900 مليار ريال بنهاية الربع الأول، وجزء من هذا التمويل يذهب إلى المنشآت الصغيرة والمتوسطة، بحكم أنه القطاع الأكبر، كما أن حجم التمويل يختلف من مصرف إلى آخر. وأشار إلى برنامج ''كفالة'' الذي أنشئ لتمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة يهدف إلى التغلب على معوقات تمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة المجدية اقتصاديا، وتم تأسيسه بدعم من وزارة المالية بغرض تغطية نسبة من مخاطر الجهة الممولة في حالة إخفاق النشاط المكفول في سداد التمويل أو جزء منه. حيث بدأ نشاط البرنامج في 2006 وحقق نجاحات كبيرة وتجاوز حجم التمويل ثلاثة مليارات ريال من البرنامج. وهو من البرامج المشجعة للاستثمار والتوسع ويكفل للمصارف أصحاب العمل في حدود مبيعات تندرج تحت 30 مليون ريال، ويعطي أكثر من تمويل لأكثر من نشاط، ويصل حجم التمويل لفرع النشاط إلى مليون، وهذه كلها برامج موازية. وأشار إلى أن المصارف أيضا لها نشاطات ودور في التمويل خارج نطاق كفالة، حيث يقوم كل مصرف على حدة بالتمويل. وقال طلعت حافظ إن المعوقات التي تواجه قطاع المنشآت الصغيرة والكبيرة، لا تتوقف على جانب التمويل، بل هناك معوقات أخرى، منها ما يتعلق بالدعم الفني والإداري، مضيفا أن كثيرا من المنشآت الصغيرة والمتوسطة لا توجد لديها دراسة واضحة أو جهاز إداري أو إدارة مالية على مستوى يلبي الضمانات، خاصة أن المصارف مؤتمنة على أموال المساهمين، ولهذا فإن ضمان استعادة التمويل يأتي من أهم أولوياتها لحفظ حقوق الناس. كما أنه من الصعب تبني أي أفكار استثمارية دون دراسة جدوى واضحة. وحول طرح فكرة إنشاء مصرف لتمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة قال: مثل هذه الفكرة طرحت وهي كحال فكرة أو مطالبة المقاولين بإنشاء بنك لتمويل قطاع المقاولات، وهي أفكار واردة، لكن المصرف يحتاج إلى إدارة ودراية كاملة بالدور الذي يمكن أن يقوم به.
إنشرها

أضف تعليق