FINANCIAL TIMES

عائلة روتشيلد تحكم قبضتها على مجموعتها التجارية

منذ أكثر من مائتي عام بعد أن أرسل جده ماير أمشيل روتشيلد أبناءه من فرانكفورت إلى باريس و لندن ونابولي وفيينا لإنشاء ما أصبح يعرف باسم "مصرفي العالم"، فمن المحتمل أن يعمل البارون ديفيد دي روتشيلد على طي الفصل الأخير في إعادة توحيد عائلته المتباعدة الأطراف. يعمل رئيس مجلس إدارة مجموعة روتشيلد البالغ من العمر 69 عاماً على جمع أصوله الفرنسية والبريطانية تحت سقف شركة باريس أورليان التي تعد كيانا مدرجا في بورصة فرنسا حيث يرجع جذورها إلى القرن الـ 19 عندما كانت شركة سكك حديدية. ويمثل هذا التحرك الخطوة الأخيرة في العملية التي بدأت منذ عشر سنوات من عمليات دمج الشركات المصرفية الفرنسية مع "إن إم روتشيلد"، وهو بنك استثماري مقره في المملكة المتحدة والذي اكتسب شهرة في عام 1815 عندما حقق ناثان ماير روتشيلد – نجل أمشيل - ثروة كبيرة عن طريق شراء السندات الحكومية البريطانية تحسبا لهزيمة نابليون في معركة واترلو. وازدهرت شركة روتشيلد في القرن 19 باعتبارها شركة تعمل على تمويل البلدان والشركات والجيوش في جميع أنحاء القارة الأوروبية. لكن إعادة تنظيم "دي روتشيلد" يسلط الضوء على حقيقة أن العالم الآن يشهد بأن أي مجموعة مصرفية لا يمكن أن تعمل بوصفها شبكة من المهيمنين الإقليميين المنحازين إلى أي طرف من حين إلى آخر. ويقول أحد الأشخاص على صلة وطيدة بالعائلة "لتحسين أداء المجموعة، فنحن في حاجة إلى جعلها تحت مظلة واحدة" والسبب الوحيد في ذلك، أن الدفع سريعا لمع أسهم للمجموعة تحت سقف مشترك من شأنه أن يتم استبداله بنظام تنظيمي مستقبلي يعمل على تطبيق عقوبات على حصص الأقلية ذات ارتفاع في رأس المال الإلزامي. ولكن الهدف الرئيس هو تعزيز قبضة العائلة على الأعمال التجارية للأبد، إضافة إلى الوضع المهيمن لفرعي ديفيد واريك دي روتشيلد. ومن المقرر أن تكون الشركة الجديدة عبارة عن شركة توصية بسيطة لتكون حماية ضد المستحوذين عن طريق إعطاء العائلة حصة بنسبة 57 في المائة من حقوق التصويت بغض النظر عن حجم حصتها في شركة باريس أورليان التي من المتوقع أن تصبح 48 في المائة بعد عملية إعادة التنظيم. ومن الممكن أن تتضاعف القيمة السوقية لأسهم رأسمال شركة باريس أورليان لترتفع من 55 مليار جنيه استرليني إلى أكثر من مليار جنيه استرليني وذلك بمجرد استكمال عملية إعادة تنظيم الأصول. وتعكس هذه العملية عزم ديفيد دي روتشيلد على عدم التخلي أبدا مرة أخرى في هيمنة العائلة. وأصبح سببه هذا أمرا ملحا من أي وقت مضى عندما صدم من رؤية تأميم بنك العائلة الفرنسي من قبل حكومة فرانسوا ميتران في عام 1982. ويعد هذا العمل أفضل رد عما اتخذه والده جي دو روتشيلد (يهودي أثناء فترة بيتان، وهي فترة منبوذة خلال حكم ميتران). أسس ديفيد دي روتشيلد بنكا فرنسيا جديدا في العام نفسه ليركز على الاستشارات وإدارة الأصول بدلا من تجارة الإقراض التي سادت سابقتها. وبدأ العمل على دمج المجموعة منذ تسع سنوات عندما تم توحيد العمليات المصرفية الفرنسية والبريطانية، وتولى رئاسة المجموعة بينما يتولى ابن عمه إيفلين دي روتشيلد فرع المجموعة في بريطانيا. وفي عام 2007، هيمنت فروع العائلة الفرنسية على غالبية مجموعة روتشيلد عندما باع السير إيفلين حصته، تاركا ابنان وابنة مع ثلث أسهم المجموعة. الجمع بين العائلة مترامية الأطراف معا لم يكن سهلا، فقد ترك آخر سلالة روتشيلد، نات، المجموعة متعمدا وانضم إلى "أتيكوس" أحد صناديق التحوط واحتل اسمه عناوين الصحف هذا العام عندما تم طرده من مجلس "بومي"، أحد المجموعات الاستثمارية الإندونيسية في مجال التعدين ومدرجة في لندن مجموعة التعدين أو التي ساعد في إنشائها. وخلال العقود القليلة الماضية، اختلف والده، لورد جاكوب، مع إيفلين مما دفعه إلى إنشاء شركته الاستثمارية الخاصة، بيد أنه في الأونة الأخيرة قام بتوطيد العلاقات الأسرية من خلال شراكة مع ذراع آخر من سلالة العائلة، ألا وهو بنك إدموند دي روتشيلد الفرنسي السويسري. وينفصل بنك إدموند دي روتشيلد عن مجموعة روتشيلد، ولكن سيسهم بنسبة 6 في المائة في شركة باريس أورليان بعد عملية إعادة التنظيم. ومنذ عامين، عينت مجموعة روتشيلد - لأول مرة في تاريخها الذي يرجع إلى213 عاما - عضوا من خارج العائلة، نايجل هيجنز، الرئيس التنفيذي للعمليات البريطانية. وسيكون هيجنز الرئيس التنفيذي المشترك لكيان الأسرة المدمجة إلى جانب أوليفييه بيكو، رئيس "باريس أورليان". وقال أحد مصرفي "روتشيلد" إنه من الخطأ الآن أن توحد المجموعة قائلا "تم الجمع بين الشركات معا لمدة عشر سنوات". وفيما يتعلق باللجنة الإدارية للمجموعة الجديدة، يتواجد القليل من المصرفيين في المملكة المتحدة وفرنسا من جنسيات أخرى مما يعكس التوسع العالمي السريع خلال العقد الماضي. وذكر مصرفي آخر أن العنصر الوحيد الحاسم كان مفقودا في البنك الاستثماري ألا وهو ثقافة المكافأة المشتركة. قبل عملية إعادة التنظيم، حيث عمل الشركاء في الأعمال المصرفية الاستثمارية لحساب كيان مختلف، وهو بنك روتشيلد وسي بونك. ونجمت هذه الأجواء المتوترة في بعض الأحيان عندما شارك شركاء من لندن وباريس في العمل في المعاملات عبر الحدود، ولكنها اكتسبت حوافز اقتصادية مختلفة من الصفقة. ويضيف هذا المصرفي قائلاً: "هذا هو الجزء الأخير من اللغز الغامض في اكتمال حقيقي للشركة". لكن على الرغم من أن عمليات باريس ولندن تبدو تعمل معا بشكل جيد، فإن الفجوة الثقافية لا تزال قائمة بين البلدين. ويقول أحد المصرفين في لندن "ليس هناك هيمنة فرنسية واضحة. فقد تم ذلك الاستحواذ على الهيمنة بشكل خفي تماما". ويضيف أن البنوك في المملكة المتحدة يجب عليها دائما أن تحارب بكل طاقتها لكسب تجارتهم أكثر من نظرائهم الفرنسيين الذين لهم وضع مهيمن في بلدهم. وقال "لقد حصلوا على عمل رائع، وهم يعرفون ذلك". استحود ذراع "روتشيلد" الفرنسي خلال العقود الماضية على واحد من أحد المناصب العليا في اجتماعات رابطة الاستشارات لشركة الاندماجات والاستحواذات. في العام الماضي جاء ترتيب الشركة في المركز الثالث، وفقا لوكالة طومسون رويترز، في حين "إم إن روتشيلد" في المملكة المتحدة حصلت على المركز الثامن. وعلى الرغم من أن المجموعة المصرفية تتمتع بالربحية خلال الأزمة المالية، وذلك بفضل ذراعها المصرفي في القطاع الخاص وأنموذجها التجاري لمواجهة التقلبات الدورية التي تجمع بين إعادة الهيكلة وتقديم المشورة. في العام المالي الماضي، ارتفع صافي أرباح المجموعة من 178.4 مليون يورو إلى 269.3 مليون يورو. وتراجع صافي أرباح "باريس أورليانز" بنسبة 20 في المائة لتصل إلى 42.4 مليون يورو في النصف الأول (يبدأ من 1 نيسان (أبريل) إلى 30أيلول (سبتمبر) 2011) من عامها المالي، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. وخلال عام مالي كامل ينتهي في 30 آذار (مارس) 2011، ارتفع صافي الأرباح إلى 102.4 مليون يورو من 25.7 مليون يورو جراء تحقيق مكاسب رأسمالية استثنائية بلغت 33.1 مليون يورو، حيث يرجع ذلك إلى تدعيم حسابات بنك روتشيلد آند سي. أما بالنسبة لديفيد دي روتشيلد، هناك شيء واحد يجب القيام به ألا وهو تأمين انتقال سلس للسلطة إلى الجيل القادم. ويعمل نجله ألكسندر دي روتشيلد (32 عاما) في قسم الخدمات المصرفية التجارية، ومن المقرر أن يخلف والده في منصب رئيس المجموعة بعد تقاعده خلال بضع سنوات.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES