اقتصاديات مياه الصرف الصحي المعالجة

د. محمد بن ناصر الجديد
mohammed_aljadeed
اهتزاز منزل، وضجيج مهول، وليل دامس أسهمت في أن أستيقظ فزعاً ليلة من الليالي أتطلع خبر هذا الاهتزاز والضجيج. لم يكن المصدر من باطن الأرض ولا من سمائها، بل كان من على أرضها معلناً حرباً ضروسا دون دق طبول عندما قرر جاري أبوعبدالله أن يغمد الرمح في باطن أرضه التي اشتراها مؤخراً ليحفر بئرا ارتوازية تغذي حدائق منزله الغنّاء عند اكتمال بنائه. ''عيّن من الله خير ووسع صدرك''! إجابة مختصرة لأبو عبدالله لسؤالي عن السبب في حفره لبئر ارتوازية في ظلمة ليل إجازة نهاية الأسبوع دون مراعاة سكون الليل وحرمة الأنظمة وحقوق المياه الجوفية. أكمل أبوعبدالله مخططه الاستنزافي بإنشاء خزان مياه أرضي كبير الحجم لتخزين ما ستنتجه هذه البئر الارتوازية من المياه تمهيدا لاستخدامها في ري حدائق منزله وغيرها من الاستخدامات غير الشخصية. لم يتوقف المخطط عند هذا الحد، بل تناسى أبو عبدالله جدوى إنشاء خزان آخر بهدف جمع مياه الصرف الصحي بما يمكّن من الاستفادة منها مستقبلا عند وصول شبكة الصرف الصحي حينا المعمور. ترك هذا الشطر لما يعرف بـ ''البيارة'' لتتولى تسرب المياه إلى باطن الأرض دون الاستفادة من إعادة معالجته بالطرق الحديثة لمعالجة مياه الصرف الصحي. حالة أبو عبدالله في حفر بئره الارتوازية ليست حالة فريدة في استنزاف المياه الجوفية. فالعديد والعديد من حالات استنزاف المياه نشاهدها أمام أعيننا تنذر بتفاقم خطر شح المياه الذي سنواجهه مستقبلاً. تحديات جسام تجبرنا على شحذ الهمم بما يسهم في نشر الوعي بيننا للتعاون مع الجهات المختصة في مواجهة تحدي شح المياه غداً. تشير دراسات اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا ''الأسكوا'' إلى أن معدل استهلاك الفرد في المملكة في الوقت الراهن يعادل قرابة 95 في المائة من كمية الموارد المائية المتوافرة. ويتوقع أن يزداد معدل استهلاك الفرد في المملكة عام 2020 ليصل إلى 317 في المائة من الموارد المائية المتوافرة. بمعنى أن قضية استهلاك المياه في المملكة ستكون أمام تحدي عجز في كمية المياه المتوافرة للمستهلك بمقدار 217 في المائة بحلول 2020. السبب خلف نشأة هذا العجز هو التفاوت الكبير بين معدل الاستهلاك السنوي ومعدل الإنتاج السنوي من الموارد المائية، حيث يقدر أن السعودية تستهلك قرابة 22 مليون متر مكعب من المياه سنوياً، وتنتج في الوقت ذاته قرابة 2.5 مليون مكعب. وتتم تغطية الفرق بين كمية الاستهلاك والإنتاج من خلال الاعتماد على الموارد المائية غير التقليدية، كمياه الآبار والصرف الصحي المعالج والتحلية. وحسب معدلات الاستهلاك هذه فإن مخزون المملكة من الموارد المائية غير المتجددة يكفي فقط إلى 50 عاماً قادمة حسب توقعات منظمة الأغذية والزراعة ''الفاو''. يدعونا جسامة التحدي المقبل لشح المياه إلى طرح مجموعة من التساؤلات حول السبل الممكنة لمواجهة التحدي، وجدوى هذه السبل المقترحة، والتعرف على تكاليف توفير المياه للمستهلك، وانعكاسات تكلفة المياه للمستهلك على التكلفة الاقتصادية، وانعكاسات توفير المياه على مستوى الاستهلاك الداخلي من النفط والغاز، وكذلك ما ستتركه هذه العملية على البيئة في المملكة. حاولت دراسة علمية صدرت مطلع هذه الأسبوع في مجلة علمية تسمى مجلة إدارة البيئة، الإجابة عن هذه التساؤلات من خلال دراسة الوضع القائم لتوفير المياه في المملكة. صدرت الدراسة بعنوان ''توسعة استخدام مياه الصرف الصحي في المملكة بتقليل الاعتماد على النفط والغاز''. هدفت الدراسة إلى قياس التكاليف المالية والنفطية والبيئية لمصادر المياه الجوفية والسطحية ومياه التحلية واستخداماتها في قطاعات الصناعة والزراعة والتطوير الحضري. من الأهمية قبل النظر في نتائج الدراسة تسليط الضوء على مجموعة من إحصاءات اقتصاديات المياه في المملكة بهدف تكوين صورة شمولية عن الوضع القائم. تشير إحصاءات ''الأسكوا'' إلى أن معدل منسوب سقوط الأمطار السنوي في السعودية يقارب 112 ملم. نسبة منخفضة جداً كون معدل منسوب سقوط الأمطار السنوي في العالم 250 ملم. تتفاوت مناطق المملكة في هذا المعدل بين أقل من المعدل السنوي، كما هو الحال في جنوب شرقي المملكة، إلى أعلى من المعدل السنوي، كما هو الحال في جنوب غربي المملكة بمعدل 600 ملليمتر سنوياً. وتشير دراسات منظمة الأغذية والزراعة ''الفاو'' إلى أن قرابة 90 في المائة من المياه في المملكة تأتي من المياه الجوفية، و5 في المائة مياه سطحية، و4 في المائة مياه تحلية، والبقية القليلة المياه المعالجة من الصرف الصحي. كما تشير ذات الإحصاءات إلى أن قرابة 89 في المائة من معدل استهلاك المياه السنوي في المملكة والبالغ قرابة 22 كيلو مترا مكعبا هي مياه قادمة من مصادر غير متجددة. ويشير تقرير مؤسسة النقد العربي السعودي إلى أن الطاقة الاستيعابية لمعالجة مياه الصرف الصحي في المملكة تبلغ قرابة 840 مليون متر مكعب يومياً. ويتم تشغيل قرابة 80 في المائة من هذه الطاقة لإنتاج قرابة 672 مليون متر مكعب يومياً. ويتم من هذه المياه المعالجة إعادة استخدام ما مقداره قرابة 123 مليون متر مكعب يومياً. قدمت الدراسة أعلاه حسابات لتكلفة نقل المياه إلى كل من الرياض، ومكة المكرمة، والمدينة المنورة، وخميس مشيط، وأبها. تتباين هذه المدن بطبيعة الحال في خصائصها الجغرافية والسكانية وكذلك درجة اعتمادها على محطات التحلية الموجودة في كل من الشعيبة، وينبع، والشقيق، والجبيل. توصلت الدراسة إلى أن نقل المتر المكعب الواحد من مياه التحلية عبر خط أفقي مستوى تقارب أربع هللات، بينما ترتفع تكلفة ذات كمية المياه إلى قرابة 3.5 ريال عبر خط عمودي جبلي. تتباين هذه التكلفة عندما تأتي المياه من مياه الصرف الصحي المعالجة بتراوح تكلفتها من 50 هللة إلى تسعة ريالات للمتر المكعب الواحد. كما توصلت الدراسة إلى تباين في المعدلات اليومية لاستهلاك الفرد من المياه في هذه المدن. حيث تبلغ القصوى في المدينة المنورة (30 مترا مكعبا يومياً)، فالرياض (27 مترا مكعبا يومياً)، فأبها (18 مترا مكعبا يومياً). كما تتباين هذه المدن في حجم مياه الصرف الصحي بوجود الرياض كأكبر حجم لهذه المياه (164 مليون متر مكعب سنوياً) فالمدينة المنورة (39 مليون متر مكعب سنوياً) فمكة المكرمة (23 مليون متر مكعب سنوياً). يعود السبب الرئيس في هذا التباين إلى عدم اكتمال مشروع التغطية الكاملة لشبكات الصرف الصحي في المملكة ومحطات تحليتها. هذا المشروع الطموح الذي يتوقع أن يستثمر قرابة 23 مليار ريال لتغطية مدن المملكة خلال العقد الـ 20 عاماً المقبلة، بعون الله تعالى وتوفيقه. قدمت الدراسة بناءً على هذه الحسابات مجموعة من التوصيات لمواجهة تحدي شح المياه. التوصية الأولى أهمية مراعاة تكاليف كل من الوقود المستخدم في مشاريع توفير المياه وكذلك التكاليف البيئية عوضاً عن التكاليف المالية فقط عند وضع سياسات توفير المياه واستخداماتها. والثانية أهمية إيجاد البدائل الآنية لحفظ مياه الصرف الصحي عوضاً عن الانتظار حتى تكتمل تغطية مشاريع شبكات الصرف الصحي. والثالثة الدعوة إلى إعادة النظر في تعرفة خدمة المياه حسب مصدرها سواءً مياه تحلية أو مياه صرف صحي معالجة بما يتناسب مع تكلفة توفير هذه المياه. توصيات من الأهمية النظر في جدوى تنفيذها بما يمكن من مواجهة تحدي شح المياه غدا.
إنشرها