تسجيل دخول
نسيت كلمة المرور |  مستخدم جديد
 
الأربعاء 04 جمادى الثاني 1433 هـ. الموافق 25 إبريل 2012 العدد 6771
آخر الأخبار
انت الآن تتصفح عدد من الارشيف, نشر قبل 919 يوم . عودة لعدد اليوم

اقتصاديات مياه الصرف الصحي المعالجة

د. محمد بن ناصر الجديد

اهتزاز منزل، وضجيج مهول، وليل دامس أسهمت في أن أستيقظ فزعاً ليلة من الليالي أتطلع خبر هذا الاهتزاز والضجيج. لم يكن المصدر من باطن الأرض ولا من سمائها، بل كان من على أرضها معلناً حرباً ضروسا دون دق طبول عندما قرر جاري أبوعبدالله أن يغمد الرمح في باطن أرضه التي اشتراها مؤخراً ليحفر بئرا ارتوازية تغذي حدائق منزله الغنّاء عند اكتمال بنائه. ''عيّن من الله خير ووسع صدرك''! إجابة مختصرة لأبو عبدالله لسؤالي عن السبب في حفره لبئر ارتوازية في ظلمة ليل إجازة نهاية الأسبوع دون مراعاة سكون الليل وحرمة الأنظمة وحقوق المياه الجوفية.

أكمل أبوعبدالله مخططه الاستنزافي بإنشاء خزان مياه أرضي كبير الحجم لتخزين ما ستنتجه هذه البئر الارتوازية من المياه تمهيدا لاستخدامها في ري حدائق منزله وغيرها من الاستخدامات غير الشخصية. لم يتوقف المخطط عند هذا الحد، بل تناسى أبو عبدالله جدوى إنشاء خزان آخر بهدف جمع مياه الصرف الصحي بما يمكّن من الاستفادة منها مستقبلا عند وصول شبكة الصرف الصحي حينا المعمور. ترك هذا الشطر لما يعرف بـ ''البيارة'' لتتولى تسرب المياه إلى باطن الأرض دون الاستفادة من إعادة معالجته بالطرق الحديثة لمعالجة مياه الصرف الصحي. حالة أبو عبدالله في حفر بئره الارتوازية ليست حالة فريدة في استنزاف المياه الجوفية. فالعديد والعديد من حالات استنزاف المياه نشاهدها أمام أعيننا تنذر بتفاقم خطر شح المياه الذي سنواجهه مستقبلاً. تحديات جسام تجبرنا على شحذ الهمم بما يسهم في نشر الوعي بيننا للتعاون مع الجهات المختصة في مواجهة تحدي شح المياه غداً.

تشير دراسات اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا ''الأسكوا'' إلى أن معدل استهلاك الفرد في المملكة في الوقت الراهن يعادل قرابة 95 في المائة من كمية الموارد المائية المتوافرة. ويتوقع أن يزداد معدل استهلاك الفرد في المملكة عام 2020 ليصل إلى 317 في المائة من الموارد المائية المتوافرة. بمعنى أن قضية استهلاك المياه في المملكة ستكون أمام تحدي عجز في كمية المياه المتوافرة للمستهلك بمقدار 217 في المائة بحلول 2020.

السبب خلف نشأة هذا العجز هو التفاوت الكبير بين معدل الاستهلاك السنوي ومعدل الإنتاج السنوي من الموارد المائية، حيث يقدر أن السعودية تستهلك قرابة 22 مليون متر مكعب من المياه سنوياً، وتنتج في الوقت ذاته قرابة 2.5 مليون مكعب. وتتم تغطية الفرق بين كمية الاستهلاك والإنتاج من خلال الاعتماد على الموارد المائية غير التقليدية، كمياه الآبار والصرف الصحي المعالج والتحلية. وحسب معدلات الاستهلاك هذه فإن مخزون المملكة من الموارد المائية غير المتجددة يكفي فقط إلى 50 عاماً قادمة حسب توقعات منظمة الأغذية والزراعة ''الفاو''.

يدعونا جسامة التحدي المقبل لشح المياه إلى طرح مجموعة من التساؤلات حول السبل الممكنة لمواجهة التحدي، وجدوى هذه السبل المقترحة، والتعرف على تكاليف توفير المياه للمستهلك، وانعكاسات تكلفة المياه للمستهلك على التكلفة الاقتصادية، وانعكاسات توفير المياه على مستوى الاستهلاك الداخلي من النفط والغاز، وكذلك ما ستتركه هذه العملية على البيئة في المملكة.

حاولت دراسة علمية صدرت مطلع هذه الأسبوع في مجلة علمية تسمى مجلة إدارة البيئة، الإجابة عن هذه التساؤلات من خلال دراسة الوضع القائم لتوفير المياه في المملكة. صدرت الدراسة بعنوان ''توسعة استخدام مياه الصرف الصحي في المملكة بتقليل الاعتماد على النفط والغاز''. هدفت الدراسة إلى قياس التكاليف المالية والنفطية والبيئية لمصادر المياه الجوفية والسطحية ومياه التحلية واستخداماتها في قطاعات الصناعة والزراعة والتطوير الحضري.

من الأهمية قبل النظر في نتائج الدراسة تسليط الضوء على مجموعة من إحصاءات اقتصاديات المياه في المملكة بهدف تكوين صورة شمولية عن الوضع القائم. تشير إحصاءات ''الأسكوا'' إلى أن معدل منسوب سقوط الأمطار السنوي في السعودية يقارب 112 ملم. نسبة منخفضة جداً كون معدل منسوب سقوط الأمطار السنوي في العالم 250 ملم. تتفاوت مناطق المملكة في هذا المعدل بين أقل من المعدل السنوي، كما هو الحال في جنوب شرقي المملكة، إلى أعلى من المعدل السنوي، كما هو الحال في جنوب غربي المملكة بمعدل 600 ملليمتر سنوياً.

وتشير دراسات منظمة الأغذية والزراعة ''الفاو'' إلى أن قرابة 90 في المائة من المياه في المملكة تأتي من المياه الجوفية، و5 في المائة مياه سطحية، و4 في المائة مياه تحلية، والبقية القليلة المياه المعالجة من الصرف الصحي. كما تشير ذات الإحصاءات إلى أن قرابة 89 في المائة من معدل استهلاك المياه السنوي في المملكة والبالغ قرابة 22 كيلو مترا مكعبا هي مياه قادمة من مصادر غير متجددة. ويشير تقرير مؤسسة النقد العربي السعودي إلى أن الطاقة الاستيعابية لمعالجة مياه الصرف الصحي في المملكة تبلغ قرابة 840 مليون متر مكعب يومياً. ويتم تشغيل قرابة 80 في المائة من هذه الطاقة لإنتاج قرابة 672 مليون متر مكعب يومياً. ويتم من هذه المياه المعالجة إعادة استخدام ما مقداره قرابة 123 مليون متر مكعب يومياً.

قدمت الدراسة أعلاه حسابات لتكلفة نقل المياه إلى كل من الرياض، ومكة المكرمة، والمدينة المنورة، وخميس مشيط، وأبها. تتباين هذه المدن بطبيعة الحال في خصائصها الجغرافية والسكانية وكذلك درجة اعتمادها على محطات التحلية الموجودة في كل من الشعيبة، وينبع، والشقيق، والجبيل. توصلت الدراسة إلى أن نقل المتر المكعب الواحد من مياه التحلية عبر خط أفقي مستوى تقارب أربع هللات، بينما ترتفع تكلفة ذات كمية المياه إلى قرابة 3.5 ريال عبر خط عمودي جبلي. تتباين هذه التكلفة عندما تأتي المياه من مياه الصرف الصحي المعالجة بتراوح تكلفتها من 50 هللة إلى تسعة ريالات للمتر المكعب الواحد.

كما توصلت الدراسة إلى تباين في المعدلات اليومية لاستهلاك الفرد من المياه في هذه المدن. حيث تبلغ القصوى في المدينة المنورة (30 مترا مكعبا يومياً)، فالرياض (27 مترا مكعبا يومياً)، فأبها (18 مترا مكعبا يومياً). كما تتباين هذه المدن في حجم مياه الصرف الصحي بوجود الرياض كأكبر حجم لهذه المياه (164 مليون متر مكعب سنوياً) فالمدينة المنورة (39 مليون متر مكعب سنوياً) فمكة المكرمة (23 مليون متر مكعب سنوياً). يعود السبب الرئيس في هذا التباين إلى عدم اكتمال مشروع التغطية الكاملة لشبكات الصرف الصحي في المملكة ومحطات تحليتها. هذا المشروع الطموح الذي يتوقع أن يستثمر قرابة 23 مليار ريال لتغطية مدن المملكة خلال العقد الـ 20 عاماً المقبلة، بعون الله تعالى وتوفيقه.

قدمت الدراسة بناءً على هذه الحسابات مجموعة من التوصيات لمواجهة تحدي شح المياه. التوصية الأولى أهمية مراعاة تكاليف كل من الوقود المستخدم في مشاريع توفير المياه وكذلك التكاليف البيئية عوضاً عن التكاليف المالية فقط عند وضع سياسات توفير المياه واستخداماتها. والثانية أهمية إيجاد البدائل الآنية لحفظ مياه الصرف الصحي عوضاً عن الانتظار حتى تكتمل تغطية مشاريع شبكات الصرف الصحي. والثالثة الدعوة إلى إعادة النظر في تعرفة خدمة المياه حسب مصدرها سواءً مياه تحلية أو مياه صرف صحي معالجة بما يتناسب مع تكلفة توفير هذه المياه. توصيات من الأهمية النظر في جدوى تنفيذها بما يمكن من مواجهة تحدي شح المياه غدا.


حفظ طباعة تعليق إرسال

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الاقتصادية ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر. علماً أننا لا ننشر التعليقات بغير اللغة العربية.

7 تعليقات

  1. كوكيز (مسجل) (1) 2012-04-25 08:39:00

    عندي نقطتين:
    1. مدى صحة وجود مخزون مائي تحت صحراء الربع الخالي.
    2. اتذكر وجود معالجة لمياة الصرف الصحي في مرافق جامعة الملك سعود ويتم ري المسطحات الخضراء في الجامعة . هل هي ناجحة ليتم تعمميها؟

  2. فايز الفرحان (2) 2012-04-25 12:52:00

    موضوع هام جدا
    وهناك أيضا
    الإسراف والتبذير في المال العام في مسلسل مشاريع أحفر ومدد ثم أحفر ومدد دون تنسيق بين المشاريع والخدمات
    قال لك يادكتور
    جارك أبوعبدالله ''عيّن من الله خير ووسع صدرك''

  3. محمد عثمان (3) 2012-04-25 17:53:00

    متى يتم تشجير حزامات حول المدن وسقايته من المياه المعالجة من الصرف الصحي منها: 1-صد التصحر والعواصف الغبارية. 2-تقليل درجة حرارة المدن. 3-تنقية الهواء داخل المدن. 4-(والاهم!) المساعدة باذن الله بنزول الامطار;لان الشجر يجذب المطر!

  4. صالح بن علي اللحيده (مسجل) (4) 2012-04-26 00:37:00

    (تشيردراسات اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا''الأسكوا'' إلى معدل استهلاك الفردبالمالوقتيالوقت الراهن يعادل قرابة 95 في المائة من كمية الموارد المائية المتوافرة)اسأل ماهومصدرهذه المعلومه؟!ولحساب من أجريت الدراسه وأي جهه كلفتها!؟وهل نسلِّم بمصداقية نتائجها؟!وهل هي بريئة من'الأهواء وا لمقاصد والدوافع؟!وفي نفس السيآق طرح محرر كلمة الأقتصاديَّه اليوم اسئلة وتساؤلآت مشروعه وعلقت شخصياعليها؟!
    اماتوصيات الدراسه الثالثه فهي ظالمه للمواطن والمستهلك اذا اخذنا بالأعتبار انخفاض الدخول ل٦٥٪ من السكان،وارتفاع التضخم والأسعاروالبطاله وكل اسرة بهاعدد من العاطلين!!وفي المقابل كل موارد الدوله فوق وتحت الأرض ومفاصل الأقتصاد تصب بالخزينه وبنفس الوقت يطالب التقرير وانت معهم برفع التعرفه ؟!اماالتوسيع الثانيه فقد أشبعت بحثا ومطالبات كتاب الرأي منذ
    عقود ولمتعرف

  5. صالح بن علي اللحيده (مسجل) (5) 2012-04-26 01:34:00

    ٢- وكل اسرة بهاعدد من العاطلين!!وفي المقابل كل موارد الدوله فوق وتحت الأرض ومفاصل الأقتصاد والمؤسسات والشركات التجاريه والخدمات ذات الربحيَّه تصب بالخزينه!!وبنفس الوقت يطالب التقرير وانت معه!!برفع التعرفه ؟ لوالتو صيه بتخصيص القطاع لكان اصوب؟ الي حدما!اماالتوصيه الثانيه فأشبعت بحثا ومطالبة من كتاب الرأي منذ عقود وإكتمال المشروع بخطى السلحفاة ؟!لكنه افضل من مشروع جلب غازالطبخ بأنابيب من معامله بالشر قيه ..!!

  6. صالح بن علي اللحيده (مسجل) (6) 2012-04-26 01:40:00

    ٣. وتوزيعه بشبكة تحتيه علي المنازل بالعاصمه والذي يحرق جزء منه منذ سبعون عاماًولم يرى النور منذ50عاماًلأسباب غيرمعروفه؟!رغم اهميته اقتصا دياً وحضارياً وبيئياً وأمنياً،، أما جزئية التعرفه على مياه الصرف الصحي المعالج فإن الحكومه حالياً تفرض تعرفة عليه قبل معالجته بضرب الأمتار المكعبه الداخله للمنازل بعدادالمياه في اثنين. عبارة عن مياه الصرف الصحي الآسنه ويتضح من تعليقي عدة نقاط لم يدركها معدواالتقرير وأكتفي بهذا.. .. ؟!!@

  7. صالح بن علي اللحيده (مسجل) (7) 2012-04-26 02:50:00

    @صالح بن علي اللحيده (مسجل))
    تصويب(١) خطأ آباد لجملة (اماالتوسيع) والصحه تقرأهٰكذ(اماالتوصيه)!
    (٢) آخر جمله زأئده تحذف ( ولمتعرف )

التعليق مقفل

السيرة الذاتية

mjadeed@hotmail.com

خلاصات الــ RSS

أرشيف المقالات

ابحث في مقالات د. محمد بن ناصر الجديد