الحيادية والبعد عن الأدلجة في الحوار الوطني وملتقى البحرين

|
تحدثت في المقال الماضي عن بعض الانطباعات والمقترحات التي خرجت بها من مشاركتي في ملتقى الحوار الوطني الذي أقيم أخيرا في مدينة حائل والذي خصص لمناقشة قضايا واقع الإعلام السعودي وسبل تطويره، في وقت يشهد فيه العالم طفرة معلوماتية حولت تلك الوسائل من ناقل للحدث إلى صانع له كما رأينا في الثورات العربية. الإعلام وبكل منصاته أصبح دون شك هاجسا للبعض وفرصة للبعض الآخر، كما أصبح واضحا بالنسبة لكثيرين، وقد تلمست ذلك بشكل واضح بعد مشاركتي خلال الأسبوع المنصرم في ملتقى الإعلاميين العرب الذي أقيم في البحرين والذي حظي برعاية من العاهل البحريني الملك حمد بن عيسى آل خليفة، والذي شارك فيه إعلاميون وطلاب وأكاديميون من دول عربية مختلفة، وذلك لمناقشة عدد من المواضيع الإعلامية الحساسة. ربما كانت وما زالت هوية الإعلام العربي أحد أهم التحديات التي يواجهها الأكاديميون والمنظرون في ظل انقسام واضح في المواقع وصعوبة توحيد رؤية عربية واحدة يمكن من خلالها تحديد تلك الهوية التي إضافة لتشرذمها من حيث الهم والهدف من الناحية السياسية تنقسم على ذاتها من حيث أهدافها المالية وطبيعة المنافسة والجمهور والمادة المقدمة، وهي أمور تجعل من تحديد واضح الملامح لهوية هذا الإعلام أمرا في تقديري صعب المنال وترفا فكريا لا معنى له في ظل هذا التنافر والتنافس والتعدد في الأهداف والمنصات. ولعل التلفزيون والقنوات الإخبارية أحد تلك الأوجه التي تجعل تحديد هوية واحدة للإعلام العربي أمرا يكاد يكون مستحيلا، وقد تحدث عدد من أهم الأسماء في العمل الإداري التلفزيوني حول مواكبة تلك القنوات للأحداث بين التقليدية في التعاطي والتطوير في الأداء من خلال مقارنة عدد من القنوات الرائدة مثل الجزيرة والعربية والحياة المصرية، واستقراء ما ستكون عليه قناة العرب الإخبارية في ظل التنافس المحموم اليوم لتغطية الثورات والقلاقل في جميع أركان الأرض، ومن أجل الفوز بالمال وفق سياسة القنوات الإخبارية التي لخصها أحد قيادات الإعلام التلفزيوني لي بـ ''النفوذ يأتي بالنقود''. دائما ما يوجه السؤال التالي (هل سيلغي الإعلام الإلكتروني الإعلام الورقي؟)، وهو سؤال يمكن أن نجد له بدل الجواب عشرات الأجوبة والتحليلات، ولكن من المؤكد لي أن الإعلام الذي لا ينتهج الدقة والحرفية والمهنية الصحافية هو الذي سيضمحل بصرف النظر عن الوسيلة ورقية كانت أم تلفزيونية أم إذاعية. في الجلسة التي كان عنوانها ''الإعلام الاجتماعي .. الانتشار والرقيب'' تحدثت عن عدد من المواضيع وأوردت بعض الإحصائيات التي استقيتها من مصادر ودراسات جلها منشور ويمكن الوصول لها عبر الإنترنت، إلا أني فوجئت بتغطية الصحافة الورقية لأحداث تلك الجلسة بأنها خلطت الأرقام، حيث جعلت إحصائيات ''تويتر''، ''الفيسبوك'' وعدد أجهزة الجوالات المتنقلة عاملا لعدد مستخدمي الشبكات الاجتماعية، ولم يقم الصحافي الناقل لأحداث الجلسة بمجرد التأكد من أن المعلومة المذكورة صحيحة إما من خلال مراجعة المتحدث وإما من خلال البحث الذاتي والتدقيق، فيما إذا كانت تلك الأرقام صحيحة وذلك بدل الخروج للقارئ بمعلومات خاطئة ١٠٠ في المائة. وللتأكيد سأورد فيما يلي الإحصائيات التي ذكرتها لكي يمكن الرجوع لها لمن أراد، فقد أشارت إحصائيات عام 2011 إلى أن عدد مستخدمي ''فيسبوك'' بلغ 800 مليون، منهم 32 مليونا في العالم العربي يشكل الشباب والذين تقع أعمارهم بين سن 15 و29، نحو 70 في المائة من مستخدمي الفيسبوك العربي، في حين بلغ عدد حسابات ''تويتر'' عالميا ٢٢٥ مليونا تبلغ الحسابات الفاعلة منها 100 مليون، ومنها نحو 1.1 مليون حساب ناشط في الوطن العربي، في حين يبلغ عدد التغريدات اليومية على مستوى العالم 250 مليون تغريدة، كما أن إجمالي عدد الحسابات على الشبكات الاجتماعية بلغ ٢.٤ مليار حساب، وعدد الاشتراكات على مستوى العالم بالاتصالات المتنقلة وفق تقرير جديد لشركة إريكسون بلغت ستة مليارات اشتراك منها 4.1 مليار مشترك. لقد كان لقاء المشاركين في الملتقى مع الملك حمد بن عيسى فرصة مواتية للاستماع منه لرؤيته حول الأحداث التي عاشتها وتعيشها البحرين والمنطقة بشكل عام، وكذلك لفهم الخلفيات التي ربما لا يقوم الإعلام الغربي أحيانا بالتركيز عليها في ظل الأجندات المسبقة والسيناريوهات ــــ كتلك التي حدثت في العراق ــــ والتي يقيس عليها ذلك الإعلام ما يجري في البحرين، وذلك في عمل يبقى في تصوري بعيدا عن المهنية والحرفية وتحري الدقة، كل ذلك من خلال البحث عن الحالات الخاصة وتصويرها باعتبارها الحالة العامة، وبالتالي خلق صورة قد لا تمت للواقع العام بأي حال من الأحوال. العمل بمهنية وحيادية والبعد عن الأدلجة في العمل الصحافي هو من أهم ما خرجت به من ملتقى البحرين وملتقى الحوار الوطني، فكاتب العمود له الحق في أن يعبر عن رأيه في أي قضية ووفق المنهج والرؤية السياسية والعقدية التي يؤمن بها، إلا أن الصحافي الذي يعمل من أجل نقل الحقيقة والواقع يجب ألا يخلط إطلاقا قناعاته وعاطفته بما يقوم بنقله، لأن جدلية الحياد في الإعلام وإن كانت صعبة التحقيق بنسبة 100 في المائة إلا أنها تبقى هدفا يجب على الصحافي المهني محاولة الوصول لها، فبقدر القرب من تلك النسبة يمكن مع الوقت النظر لذلك الصحافي أو ذاك باعتباره مصدرا موثوقا وصوتا يعكس نبض الشارع وصوت الحق.
إنشرها