الإنفاق الحكومي.. من المستفيد؟

|
هذا تساؤل مشروع ومهم، وتنبع أهميته من حرص القيادة على رفع مستوى معيشة المواطن والاستجابة لمتطلباته، والدليل الأرقام الضخمة للميزانيات العامة والتي خصصت لإنشاء المشاريع وتوفير الخدمات التنموية. ولذا يلزم ألا يؤخذ هذا التساؤل على محمل السلبية أو سوء الظن، وإنما مناقشته على أساس فني بحت بحيث يدفع النقاش في اتجاه البحث عن السبل والآليات الفاعلة التي تحقق التأثير الذي ينشده ولاة الأمر من الإنفاق الحكومي. والأمر لا يتوقف عند إنجاز المشاريع بالتوقيت والجودة المطلوبة على أهميته، ولكن الأمر المهم هو من المستفيد من هذا الإنفاق السخي للدولة؟ والإجابة عن هذا التساؤل تستلزم البسط في كيفية أن يكون الإنفاق الحكومي آلية لإعادة توزيع الدخل. الدور الرئيس للإنفاق الحكومي هو تحفيز الطلب العام والذي بدوره يؤدي إلى زيادة الإنتاج، وهذا يعني توظيف عدد أكبر من العمال وزيادة الأجور وهكذا يستفيد الجميع من الإنفاق الحكومي. إذا الشرط الرئيس في فاعلية الإنفاق الحكومي هو زيادة عدد الوظائف المتاحة في الاقتصاد. ولكن يبقى السؤال ما طبيعة هذه الوظائف؟ وما مستوى الدخل؟ وهل هي متاحة للمواطنين؟ هذه تساؤلات مهمة للغاية في اقتصاد مازال يعتمد بشكل كبير على عدد صغير جدا من المقاولين في تنفيذ المشاريع الحكومية، بل إن هناك حالة من الاحتكار لشركات تعد على أقل من أصابع اليد الواحدة. وعندما تغيب المنافسة يؤدي ذلك إلى المبالغة في الأسعار، وبالتالي انتفاخ تكاليف المشاريع وفي الوقت ذاته انخفاض مستوى الجودة والمهم حصول أصحاب تلك الشركات على نسبة ضخمة من الربح تمثل مقدار استفادتهم من الإنفاق الحكومي، بينما يترك الفتات لمقاولي الباطن، ما يعني بطبيعة الحال انحسار تأثير الإنفاق الحكومي واقتصار الاستفادة منه في فئة صغيرة من المجتمع وإبقاء تأثيره في حدوده الدنيا. والمتأمل لوضع الاقتصاد الوطني يدرك أنه اقتصاد ريعي يعتمد على العمالة الأجنبية وشركات ظاهرها وطنية وهي في حقيقتها أجنبية. وهذه هي الطامة الكبرى التي لا تبقي ولا تذر من ذلك الإنفاق السخي ليتسرب جله إلى خارج الاقتصاد الوطني ويقعد المواطن المسكين ملموما محسورا يسمع تلك الأرقام الضخمة فيثير في داخله الأمل ويرفع سقف التوقعات ويرسم الأحلام بمستوى معيشي مرتفع، إلا أن ذلك يتحطم على صخرة الواقع ويصاب بالإحباط فإما وظيفة بأجر لا يسمن ولا يغني من جوع أو عطالة لا يجد وظيفة حتى براتب متدن. وهكذا يستمر الحال في اقتصاد من أكبر الاقتصاديات في العالم بل من الـ 20 الأوائل، ومع هذا يظل هناك تدن بمستوى المعيشة وشح في الوظائف وتدني الأجور. وعلى الرغم من مساعي الدولة الحثيثة في التصدي لهذه الظاهرة التي تؤرق الجميع وتهدد الأمن الوطني واستقراره إلا أنه ما زال هناك عوائق تحول دون معالجة تلك المشكلات علاجا جذريا. ويبدو أن المشكلة تكمن في الاعتقاد أن الإنفاق في حد ذاته كاف لمعالجة مشكلة العطالة بين الشباب وبطء النمو الاقتصادي دون الذهاب إلى أبعد من ذلك في اختيار الأسلوب الفاعل في تنفيذ المشاريع الحكومية الذي يضمن استفادة معظم شرائح المجتمع. وهذا يفسر توجيه الملك عبد الله في أكثر من مناسبة في أن المسؤولية تقع على التنفيذيين لسياسة الدولة وعلى رأسهم الوزراء في وضع حلول ناجعة وإجراءات فاعلة تقترب من تلبية احتياجات المواطن وتسهم في تطوير البنية الاقتصادية وتحقق التنمية المستدامة والمتوازنة. لم يعد بالإمكان الاستمرار في الاعتماد على القطاع الخاص الضعيف الذي لم يبلغ حد الرشد والنضج وما زال يقتات على الإنفاق والدعم والحماية الحكومية بدلا من أن يكون مساهما في جلب قيمة مضافة للاقتصاد وزيادة الدخل الوطني. ولذا فالقطاع الخاص في وضعه الحالي يمثل عبئا على الاقتصاد، فالدافع لدى الكثير من رجال الأعمال هو تحقيق المصالح الخاصة الآنية بأي طريقة كانت حتى ولو على حساب المصالح العليا للوطن. ويبرز في هذا المقام عملية التستر على العمالة الأجنبية، وكيف أن هناك احتكارا يمارس في مجالات الصناعة والتجارة من قبل جنسيات بعينها ليظل المواطن خارج اللعبة يندب حظه ولا يستطيع الدخول في تلك المجالات سبيلا، فهناك تنظيم وشبكة علاقات من أولئك الأجانب تمنع المواطن بشتى الأساليب تصل حد محاربته بطرق ملتوية وممارسات غير أخلاقية. إن الإنفاق الحكومي السائب يراه الكثيرون من رجال الأعمال كعكة اقتصادية وغنيمة يسعون لاستقطاع الجزء الأكبر منها واختطافها خلسة حتى وإن كان ظاهرها نظاميا وشرعيا، يشجع على ذلك غياب الاشتراطات التي تضمن المصلحة العامة في الاستفادة من الإنفاق الحكومي. إن السبيل الوحيد لانتشال الاقتصاد من هذا الوضع المحير هو في إنشاء شركات حكومية تقوم بتنفيذ المشاريع العامة على غرار شركة الاتصالات وشركات سابك والتي أثبتت جدواها على مستوى توفير الوظائف بأجور عالية وجلب عوائد اقتصادية مجزية وفتح المجال للمواطنين بالاكتتاب في أسهمها وبالتالي هي آلية فاعلة في توزيع الدخل. وهناك منفعة أخرى تتحقق على المدى الطويل وهي بناء الخبرة الوطنية في مجالات اقتصادية وصناعية، وهذا بدوره يزيد من قوة ونمو الاقتصاد الوطني وتعزيز ثقافة العمل والإنتاج وتطبيق المعايير المهنية والربط بين المدخلات والمخرجات. كما أن الشركات الحكومية ستكون قادرة على الإنتاج الوفير، وهذا من شأنه خفض التكلفة المتوسطة ما يعني خفض مستوى التضخم وهو في واقع الأمر يعني زيادة القوة الشرائية أي ارتفاع دخول المواطنين بشكل غير مباشر. هكذا فقط نستطيع إعادة توزيع الدخل ونضمن استفادة جميع المواطنين من الإنفاق الحكومي خاصة أولئك الأقل حظا في المجتمع. وقد يكون من الأجدر البدء بإنشاء شركة حكومية مساهمة للمقاولات تتولى بناء نصف المليون وحدة سكنية التي أمر بها الملك عبد الله لتفتح آفاقا كبيرة من الفرص الوظيفية للشباب السعودي بأجور مناسبة وتنجز هذا المشروع الوطني في أسرع وقت وبأقل تكلفة. هكذا فقط تتحقق تطلعات القيادة في أن يستفيد الوطن والمواطنون من هذا الرخاء الاقتصادي.
إنشرها