الاقتصاد السعودي و«المايكرو» تنظيم: هيئة سوق المال مثالاً

|
لعلنا نسرد في بداية هذا المقال عددا من مؤشرات من الأرقام التي ستسمح للقارئ الكريم بأخذ فكرة عن عدد من المؤشرات التنموية والاقتصادية المتعلقة بالمملكة العربية السعودية فيما يتعلق بعدد السكان، حيث تشير إلى إجمالي عدد السكان حسب تعداد عام 2010م 27.136.977 نسمة، وبلغ معدل نمو السكان بين تعداد السكان عام 2004 وتعداد السكان عام 2010م 3.2 % أما عن مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي لعام 2010 بالأسعار الثابتة فقد بلغت 47.87 % علاوة على ما يزيد على 50 % من المواطنين هم دون سن 25 عاما بحسب إحصائيات وزارة الاقتصاد والتخطيط، وبحسب إحصائيات التعداد السكاني. إن علم الاقتصاد باعتباره العلم الذي يسعى إلى حل المشكلة الاقتصادية فإن دور الاقتصاد قد زادت أهميته لتلقي بظلالها على صلب القرارات السياسية لمحاولة مواجهة تطلعات الشعوب ومشاكل المجتمع، ولذلك فإن التنظيم الاقتصادي يعتبر أداة محورية في خلق شكل ونوع العملية الاقتصادية، ولذا فإن التنظيم الداخلي لبعض الهيئات كهيئة سوق المال، التي تعرف نفسها بأنها ''هيئة حكومية ذات استقلال مالي وإداري وترتبط مباشرة برئيس مجلس الوزراء''. أما عن مهام الهيئة كما تذكره في موقعها فهي: ''تتولى الهيئة الإشراف على تنظيم وتطوير السوق المالية، وإصدار اللوائح والقواعد والتعليمات اللازمة لتطبيق أحكام نظام السوق المالية بهدف توفير المناخ الملائم للاستثمار في السوق، وزيادة الثقة به، والتأكد من الإفصاح الملائم والشفافية للشركات المساهمة المدرجة في السوق، وحماية المستثمرين والمتعاملين بالأوراق المالية من الأعمال غير المشروعة في السوق''. وسوف نركز هنا على التنظيم المتعلق بقوانين الحوكمة أو كما تسمى ''لائحة حوكمة الشركات''، ولأن الحوكمة تابعة - كما يبدو لنا - لحزمة من القواعد والقوانين الخاصة بالشركات والمسماة بالمسؤولية الاجتماعية والبيئية للشركات فسوف نتطرق إلى تعريف بسيط لمصطلح المسؤولية الاجتماعية كمدخل. تعددت التعريفات الاصطلاحية للمسؤولية البيئية والاجتماعية للشركات وكذلك اختلفت طرق ممارسة الشركات وتطبيقها لهذه المسؤولية، ولكي نحاول أن نفصل معايير التقييم للقارئ العزيز ومعايير التقييم فإننا نقترح أن نقسمها إلى ثلاثة أقسام وهي: حوكمة الشركة والشفافية – قوانين البيئة داخل الشركة والمتعلقة بنشاطها وعلاقتها مع الموردين والمساهمين- قوانين العمل والنظام الداخلي للشركة. وسوف نركز هنا على ما يتعلق بحوكمة الشركات كجزء مما نسميه هنا ''المايكرو'' تنظيم. أي كلائحة في نظام يساهم بشكل مباشر في أداء وسلوك الشركات مما سيلقي بظلاله على عجلة الاقتصاد الوطني والتنمية. مصطلح حوكمة الشركات ذو أهمية كبرى في عالم الشركات وبالتحديد الشركات المساهمة والشركات ذات الفروع الخارجية أو متعددة الجنسيات. وقد بدأت الحوكمة قديما كطريقة تقنين لبعض أنشطة الشركة المتعلقة بحوكمة الشركات كجزء من ''المايكرو'' تنظيم، وقد كانت بداية ظهور مصطلح حوكمة الشركات تحديدا في دولتين: الأولى والأكثر أهمية هي الولايات المتحدة وبالتحديد بعد الانهيار الذي صاحب سوق الأسهم في العشرينيات من القرن المنصرم، وبدء الحديث عن حقوق المساهمين ووجوب إيجاد أدوات وأساليب لحفظ حقوقهم تضمن لهم معرفة بعض المعلومات عن أنشطة الشركة والقدرة على المشاركة في اتخاذ قرارات الشركة. أما المثال الآخر فقد عرف في بريطانيا عن طريق مؤسس شركة كادبوري بوضعه ما يسمى ''كود الأخلاقيات''، وكان يعتبر مثل صياغة لقانون الشركة الداخلي تحدد فيه أنظمة الشركة وممارساتها. ونبدأ هنا بتعريف مبسط يكون مدخلا للموضوع، وتعريف حوكمة الشركات هي عبارة عن تنظيم قانوني وإداري لبعض أعمال الشركة يتعلق بممارسات الشركة داخليا (أي داخل الشركة نفسها كهيكل) وكذلك خارجيا (شاملة المستثمرين – مساهمين – عملاء – بيئة – مجتمع)، ونستطيع أن نلخص أهم تلك الممارسات في أربع نقاط رئيسية وهي: • الشفافية • المشاركة • المحاسبة • الاستدامة ولتنظيم الحوكمة نستطيع أن نلخص طرق تنظيم الحوكمة في أربعة نماذج: • نموذج ''البورصة'' ينظم من قبل هيئات الأسواق المالية أو هيئة سوق المال. • نموذج ''الشراكة'' التي ينظمها الشركاء الاقتصاديون. • نموذج ينظم من قبل الهيئات الحكومية (مثل وزارة الاقتصاد). • نموذج شبكي تنظمه شبكات العلاقات الشخصية والاجتماعية. تخص حوكمة الشركات في عديد من الدول الشركات المساهمة والمدرجة في سوق المال، ولمجلس إدارة الشركة أهمية كبرى في تنظيم حوكمة الشركات حيث توجد قواعد لتنظيم أعضائه والمشاركين فيه من عضوية تنفيذية إلى غير تنفيذية. ودوليا يوجد عديد من المشرعين أو واضعي القوانين الخاصة بحوكمة الشركات، ومثال للذكر لا للحصر (منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD) ومثل تلك الهيئات التشريعية تضع تشريعات متخصصة وتعنى بالحد الأدنى من التقنين بهدف الوصول إلى توحيد لأنظمة الحوكمة في العالم بشكل تقريبي. لكن الإشكالية هنا أن وضع تلك الشركات يختلف من بيئة إلى أخرى ودولة إلى أخرى، لذلك وجدت الحاجة دائما إلى نظام وطني للحوكمة. وفي المملكة ونقلا عن موقع هيئة سوق المال فإنه: تأسست هيئة السوق المالية بموجب ''نظام السوق المالية'' الصادر بالمرسوم الملكي رقم(م/30) وتاريخ 2/6/1424هـ. وهي هيئة حكومية ذات استقلال مالي وإداري وترتبط مباشرة برئيس مجلس الوزراء. وتتولى الهيئة الإشراف على تنظيم وتطوير السوق المالية، وإصدار اللوائح والقواعد والتعليمات اللازمة لتطبيق أحكام نظام السوق المالية بهدف توفير المناخ الملائم للاستثمار في السوق، وزيادة الثقة بها، والتأكد من الإفصاح الملائم والشفافية للشركات المساهمة المدرجة في السوق، وحماية المستثمرين والمتعاملين بالأوراق المالية. وتقوم هيئة سوق المال بمراقبة الشركات المدرجة في سوق المال والتي تطبق لائحة الحوكمة التي لا توجد بها سوى فقرتين إجباريتين تتعلقان بالإفصاح والتقارير المحاسبية الخاصة بنشاط الشركة المالي، وهنا تستثنى أو تستبعد الشركات المتوسطة والصغيرة فيما يتعلق بالحوكمة التي تتضمن عددا من المبادئ من بينها: المساواة بين المساهمين – دور المساهمين في اتخاذ القرارات التي تؤثر في توجهات الشركة – انفصال مجلس الإدارة الشركة عن ملاك الشركة – مسؤولية أعضاء مجلس الإدراة فيما يتعلق بتملك أسهم الشركة، ولذا نستنتج من هنا أن لائحة حوكمة الشركات مستقبلا قد تندرج ضمن أنظمة الشركات العاملة في المملكة مما يتيح شفافية في نشاط القطاع الخاص يشمل الشركات المدرجة في قوائم الأسهم وتلك التي لم تدرج. وإذا أخذنا المسؤولية البيئية فهناك الجانب البيئي المتعلق بنشاط الشركة نفسه خاصة ما إذا كان نشاط الشركة له علاقة مباشرة بالبيئة كالنشاط الصناعي أو التعدين أو النشاط البترولي، وهنا تخضع هذه الشركات لنظام البيئة العام، ومع خضوع تلك الشركات لهذا النظام الذي يحدد عددا من المعايير الدقيقة فيما يتعلق بالنشاط الصناعي وتحديد نسب مئوية متعلقة بالتلوث وأخرى بالمراقبة الدورية ووصولها إلى مرحلة العقوبات بإصلاح الأضرار الناتجة عن تلك الأنشطة إذا تسببت في عمل تلوث صناعي. فإن هذا النظام لا يزال بحاجة إلى تفعيل خصوصا فيما يتعلق بالشركات وربطها بمؤسسات المجتمع المدني لا سيما المجالس البلدية. ومن ناحية أخرى، بيئية صحية، فإنه يتعلق بنشاط الشركة الداخلي من ممارسات تخدم البيئة وتخدم الشركة فيما يتعلق بالمباني والأوراق والتغليف والعرض والإضاءة، بل وتتعدى ذلك إلى طرق الإدارة الحديثة المتعلقة بالديمومة والإدارة عن طريق الإنجاز أو الإدارة من خلال النتيجة. وأخيرا فيما يتعلق بأنظمة العمل وتوطين العمال كجزء رئيسي من مسؤولية الشركة فإن التحدي المتعلق بالإنتاجية والتنافسية في الشركة لا يبرر للشركة استخدام عمالة رخيصة في مقابل إهمال تدريب وتعليم العمالة الوطنية، فإن نظرة مجلس إدارة الشركة والقائمين عليها يجب أن تكون بعيدة المدى بشأن الاستثمار الآدمي وليس التركيز على الربح الآني عن طريق تشغيل أرخص العمالة أو فتح مصانع خارج الوطن الأصلي، ولذلك فإن دور مجلس إدارة الشركة هو دور رئيسي إضافة إلى دور المشرعين والقائمين على تغيير مفهوم المسؤولية البيئية والاجتماعية من مفهوم اختياري إلى مجموعة أو حزمة من القوانين المتعلقة بالنظم الثلاثة (حوكمة الشركة – قوانين البيئة – قوانين العمل) التي تلزم الشركة بهذه المعايير التي تخدم الوطن والمواطن. أستاذ مساعد ـ جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية
إنشرها