تسجيل دخول
نسيت كلمة المرور |  مستخدم جديد
 
الاثنين 28 شوال 1432 هـ. الموافق 26 سبتمبر 2011 العدد 6559
آخر الأخبار
انت الآن تتصفح عدد من الارشيف, نشر قبل 1153 يوم . عودة لعدد اليوم

الدور الاستراتيجي للمسؤولية الاجتماعية في تحقيق تنمية مستدامة

د. عامر بن محمد الحسيني

تطور النموذج الاقتصادي حول العالم خفف العبء عن الحكومات في تمويل ودعم المشاريع التنموية التي تهدف إلى استقرار ونمو تلك البلدان. بل إنه أغاد توزيع خريطة الإسهام في المجتمع وفقا للنظرية العالمية المعتمدة على مفهومStakeholder perspective، هذا المفهوم الذي يقلل الاعتماد على نظرية المنفعة الجزئية لينتقل إلى تكوين الدائرة الأكبر وهي دائرة المنافع والإسهامات المتبادلة، التي إعادت توزيع المهام والمسؤوليات بين الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع. ظهرت المسؤولية الاجتماعية كتطور لعلاقة الشركات في المجتمع من ناحية، انطلاقا من مبدأ المواطنة للشركاتCorporate citizenship، ونتيجة للمنافسة المحتدمة في البلدان التي تطبق مفهوم السوق الحر Free market. وأصبحت المسؤولية الاجتماعية للشركات Corporate social responsibility CSR في وقتنا الحالي عامل تفضيل، وأداة مهمة في أيدي مسيري الشركات لضمان استدامة أعمالهم وتنمية المجتمع.

يمتلئ العالم من حولنا بعديد من التجارب الناجحة في علاقات الشركات بالمجتمع، كنا قد ذكرنا عديدا منها في مقالات سابقة، وسيأتي الحديث عن أخرى في مقالات قادمة - بإذن الله-. أضبحت سياسة الاعتماد على المسؤولية الاجتماعية في تسويق الشركات من السياسات الاستراتيجية التي تميز الإدارات التنفيذية الناجحة عن غيرها. صحيح أنه في كثير من دول العالم لا توجد قوانين صارمة تلزم الشركات بتبني هذا المفهوم. ولكن بطريقة غير مباشرة من خلال منح عدد من الامتيازات للشركات التي تساهم في تنمية المجتمع، إضافة إلى الشعور داخل أفزاد المجتمع بنفعية مثل هذه الشركات، وهو الذي أدى إلى تسويقهم بشكل أفضل مما يتوقعون. يقول Peter Robinson الرئيس التنفيذي في Mountain Equipment إن "الأخلاقيات هي البيئة التنافسية الجديدة"، ارتبط مصطلح الأخلاقيات في أداء الأعمالBusiness Ethics بمصطلح المسؤولية الاجتماعية CSR ارتباطا وثيقا، فهما وجهان لعملة واحدة. يذكر Anders Dahlvig الرئيس التنفيذي لشركة IKEA "ليس كافيا أن تفعل ما ينص عليه القانون. علينا أن نكون في طليعة من يتبنى قضايا المسؤولية الاجتماعية". وهذا يعكس مدى نجاح الإدارات التنفيذية الحديثة في توظيف مفهوم المسؤولية الاجتماعية في إنجاح وإبقاء شركاتهم في الطليعة.

سؤال دائما يتردد: هل تطبق المسؤولية الاجتماعية في المملكة بشكلها الصحيح؟ وللإجابة عن هذا السؤال دائما ينظر إلى عدة عوامل من أهمها حجم القطاع الخاص السعودي، نوعية الشركات، التكامل بين الجهات الرسمية والقطاع الخاص في رسم استراتيجيات المساهمة المجتمعية. بفضل من الله، أن أنعم على هذه البلاد بخيرات كثيرة، جعلت الدولة تنفق بسخاء على مشاريع تنمية المجتمع ومنذ العقود الأولى لقيام الدولة السعودية. مساهمة القطاع الخاص في التنمية الاجتماعية للمجتمع ظلت تسير على استحياء لعقود طويلة وما زالت. فكثير من الشركات تنتظر الدعم الحكومي وتنتظر المساعدة من الدولة في تحقيق استقرار هذه الشركات، ما أدى إلى ضعف الوعي لدى شريحة كبيرة من هذه الشركات بالدور الذي يجب أن تقوم به كشخصيات اعتبارية عليها حقوق تجاه الوطن وأهله. إضافة إلى أن شريحة كبيرة من شركاتنا ما زالت تندرج ضمن الشركات العائلية الخاصة، فهي تدار بفكر محدود لا يتعدى النفعية للأسر المؤسسة أو المجتمع القريب، وهذا أيضا تأثر بالمفهوم الديني للأعمال الخيرية، ما جعل كثيرا من الشركات تبحث عن إحلال الأعمال الخيرية محل المسؤولية الاجتماعية بشكل كامل، التي تتمثل في دفع الزكاة. وهذا لا يعني عدم وجود تجارب متميزة في خدمة المجتمع، بل على العكس عدد من الشركات السعودية مارست مفهوم المسؤولية الاجتماعية في قضايا رعاية الموهوبين ورعاية النشء. مع أن بعض الشركات استخدمت مفهوم المسؤولية الاجتماعية للوصول للأهداف الاقتصادية دون مراعاة النفعية المستديمة لهذه البرامج.

عند النظر لمفهوم المسؤولية الاجتماعية من وجهة نظر دينية نجد أنها مؤطرة في الشريعة الإسلامية وفي ممارسات سيد الخلق - صلى الله عليه وسلم - وقد حث عليها الإسلام من أوجه مختلفة. وفي قصة الرجل الذي جاء إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - يشتكي فقرا، فأعانه الرسول على بيع ما يملكه من حلس وقدح، وقال له: (اشترِ بأحدهما طعامًا فانبذه إلى أهلك، واشترِ بالآخر قدومًا فأتني به)... إلى نهاية القصة، وفيها درس عظيم في إعانة الرسول - صلى الله عليه وسلم - للمجتمع ليتولى مسؤولياته ويساهم في تنميته. فالإسلام وضع الأطر العامة لعلاقات أفراد المجتمع، ودورهم في التنمية العامة، وعكس ذلك في المسؤولية الفردية تجاه المجتمع.

مما لا شك فيه أن دور تفعيل المسؤولية الاجتماعية يقع على مؤسسات المجتمع المدني في المقام الأول. الدولة بحاجة إلى سن بعض المحفزات لشركات القطاع الخاص التي تساهم في استقرار وتنمية المجتمع. مؤسسات التعليم المتخصصة بحاجة إلى نشر الوعي بين قطاعات الأفراد والشركات لتطوير المفهوم النفعي التبادلي للمسؤولية الاجتماعية للشركات، مع إعطاء الشركات المساهمة أفضلية تنافسية بواسطة المجتمع نفسه. على وسائل الإعلام دور كبير في حث وتوعية الجهات المختلفة لإظهار الدور الإيجابي للمسؤولية الاجتماعية للشركات.

هل ستحقق الشركات أية فوائد من تطبيقها المسؤولية الاجتماعية؟ هذا السؤال إجابته تعتمد على وعي الشركات والمجتمع بالدور الواجب تقديمه من الشركات أنفسها، وبالتقدير الذي يجب أن ينالوه على ما يقدموه. ومع هذا فإن عددا من الدراسات أثبتت وجود علاقة إيجابية بين أداء الشركات فيما يتعلق بالمساهمة الاجتماعية والبيئية وبين النتائج المالية للشركات (Orlitzky وآخرون، 2003). لكن يجب على الشركات أن لا تنتظر مرودوا إيجابيا سريعا، فالمسألة تعتمد على تراكم خبرات وتجارب وتغيير في سلوك وتعامل العملاء.

بعض المجالات التي يمكن أن تتقدم فيها الشركات بتجارب ناجحة للمسؤولية الاجتماعية، تشمل:

1- الموارد البشرية من تدريب وتوظيف وخدمات، فالمسؤولية الاجتماعية للشركات تعتبر القناة الأولى في التواصل مع أفراد المجتمع، لرفع ثقافتهم وتحسين أدائهم تجاه قضايا المجتمع.

2- إدارة المخاطر التي تواجه الشركات؛ غالبا ما تعتمد الشركات على السمعة في تقديم خدماته، ومتى ما انهارت ثقة المجتمع في هذه الشركات فإن الشركات تتجه بسرعة إلى الإفلاس والاختفاء من السوق، فبناء علاقة إيجابية بين المجتمع والشركة قد يساعد في إدارة بعض المخاطر التي قد تواجه الشركات نتيجة لارتفاع الأسعار أو بعض القضايا التي تمس إدارة وسياسات الشركات.

3- تميز العلامة التجارية؛ كثير من شركات باستطاعتها أن تبني علاقة إيجابية مع المجتمع من خلال عملها على نفع المجتمع بصورة أخلاقية، تكفل عدم الإضرار بالبيئة أو الطبيعة من حولنا، هذه السمعة الحسنة تخلق للشركات ولاء من عملائها يساعدها في مواجهة المنافسة التجارية من الشركات الناشئة، وهذا ما قام به عدد من الشركات من ابرزها The Co-operative Group, The Body Shop and American Apparel.

4- امتياز العمل؛ تفاديا للتدخل الحكومي وفرض التشريعات التي قد تكون مؤثرة على وجود بعض الشركات، تستطيع هذه الشركات المبادرة بخطوات تطوعية تقنع المجتمع والحكومة بأنها تراعي المسائل الاجتماعية كالصحة، والتعليم، والبيئة، وقضايا المجتمع واحتياجاته المختلفة بجانب أهدافها الربحية.

ختاما... الطريق للوصول إلى مساهمة اجتماعية فاعلة تتأثر بحجم الشركات العاملة في المملكة، تأهيل الإدارات التنفيذية وتبني نظرية أصحاب المصالح Stakeholder، إضافة إلى وعي اجتماعي مؤثر يلزم الشركات بتفعيل المسؤولية الاجتماعية. وعبء توعية المجتمع يقع غالبا على الإعلام، وهذا ما تقوم به الاقتصادية مشكورة في وصل أطراف المعادلة المختلفة.

جامعة لندن


حفظ طباعة تعليق إرسال
مواضيع ذات علاقة

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الاقتصادية ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر. علماً أننا لا ننشر التعليقات بغير اللغة العربية.

3 تعليقات

  1. حمد أبو خالد (مسجل) (1) 2011-09-26 10:02:00

    أهم شيء محاربة الفساد المالي الذي يجهض أي مسيرة تنموية ويدمرها .

    -1
  2. أبو سليمان رياض (مسجل) (2) 2011-09-26 11:52:00

    السؤال... لماذا تراجع من كان له مساهمات في المجال الاجتماعي على سبيل المثال ارامكو التي تراجعت او على الاقل لم تتقدم ولم تتطور مسئولياتها الاجتماعيه كما ان سابك لا دور لها ومعادن وغيرهم كالبنوك الشافطه الناكره ...... اذا لم يكون الكبير قدوة فلن ينفع الف الف مقال ... وبعدين لا تخاف من افلاس اي شركه حتى لو كانت منشار لاننا بصراحه كمستهلكين وكمجتمع نتبع مايؤمن به المسيحيين ولايطبقونه ونطبقه نحن "اذا ضربك احدهم على خدك الايمن فاعطه خدك الايسر "... وسلامتك

    -1
  3. نواف الرفدي (3) 2011-09-27 17:37:00

    طرح رائع وفكر مميز
    نسعد ونتابع دائما مقالاتك
    بالتوفيق لك أخي عامر

    -1
التعليق مقفل

السيرة الذاتية

باحث متخصص في حوكمة الشركات والمسؤولية الاجتماعية للشركات - جامعة لندن – كينجز كوليج

amer.alshehri@kcl.ac.uk

خلاصات الــ RSS

أرشيف المقالات

ابحث في مقالات د. عامر بن محمد الحسيني