ربيع الشركات العربية..!

|
إذا كان ''ربيع الثورات العربية'' قد ثار على مشكلات بعض الأنظمة السياسية، بقصة تختلف أبعادها من دولة إلى أخرى، فإن الشركات والمؤسسات العربية تحتاج إلى ربيع من التغيير الجذري الذي يصل للعمق لأنها إجمالا وباستثناءات ليست كثيرة تعاني مشكلات تجعل الإنتاجية العربية ضعيفة كما وكيفا، وتحيل الاستثمارات العربية الضخمة إلى إنجازات محلية غير قادرة على المنافسة في ظل العولمة وثورة المعلومات والأسواق الحرة. المشكلة بالتأكيد ليست في الإمكانات العربية، صحيح أن هناك شحا في القدرات المميزة، أولئك الذين يمكنهم التخطيط الاستراتيجي، والذين يقدمون جودة في عملهم الإداري بشكل خاص، والذين يستطيعون قيادة نجاح مؤسسة أو شركة إلى القمة، وصحيح أن كليات الإدارة في الجامعات العربية هزيلة وخريجيها أقل بكثير من المتوقع من الناحية العملية، إلا أن هناك مشكلة أساسية تسهم في صناعة كل المشكلات، وهي المشكلة التي تتطلب ثورة ناعمة من التغيير طويل المدى الذي يقوده أصحاب الخبرة في مجالات الإدارة والتخطيط الاستراتيجي، وهذه المشكلة هي باختصار: ''ثقافة الشركة'' Corporate Culture. لقد ولدت قناعة غربية في العقدين الأخيرين من الزمن أن مناخ المؤسسة والعوامل التي تتحكم فيه أساس في نجاحها وتطورها وقدرتها على الإبداع والتميز، ولا بأس أن يتأخر وصول هذا الفهم إلينا، ويتأخر تطبيقه، ولكن هناك أساسيات تعاني الشركة العربية عدم وجودها وتسهم بشكل مباشر في ضعفها. من هذه الأساسيات التي تخطر ببال الكثير من الموظفين بطرق مختلفة هي ديكتاتورية الإدارة، بحيث أصبح لدينا آلاف من الديكتاتوريات الصغيرة، حيث يتخذ المدير قراره بناء على أمزجة شخصية، بعيدا عن أي اعتبارات استراتيجية واضحة، وبدون اعتبار لرأي الآخرين من أصحاب الخبرة في شركته. هذا كلام قد يبدو بديهيا، ولكنه بالرغم من ذلك فإن ''دمقرطة'' بيئة العمل محدودة جدا عربيا، وسياسة الباب المفتوح تطبق أحيانا ليس لأن المدير يريد أن يعرف الآراء بل حتى يعرف ماذا يقول الموظفون عن بعضهم، أما بناء ''ثقافة الاختلاف'' حيث تكون هناك آليات منظمة لتشجيع الناس على إبداء وجهات نظرهم والاختلاف حولها ومنع المجاملة الجماعية، فهذا أمر محدود جدا. أفهم أسباب الديكتاتورية السياسية، ولكن الديكتاتورية في العمل التجاري ليس لها أسباب في كثير من الأحيان سوى أنها تنفيس عن أمراض شخصية أو قناعات خاطئة أو أخطاء إدارية يعاني منها المدير الديكتاتور، لأن المنطق البديهي أن يسعى المدير في القطاع الخاص لنجاح مؤسسته بأي شكل من الأشكال، وهو يعرف أن بذل الجهد لتطوير بيئة المؤسسة هو الحل الصحيح، ولكن لا تفهم لماذا يتجنب ذلك. إحدى المشكلات الأخرى هي ضعف ثقافة ''حل المشكلات''، فهناك ثقافة المسؤوليات والواجبات والتشديد على الالتزام بالقواعد، ولكن العمل الجماعي للبحث عن حل المشكلات وطرق التطوير والتميز محدود وضعيف، وفي أحيان قليلة يتم تعيين مدير لأن لديه القدرة على بناء هذا المناخ، بينما في الغرب هناك تفضيل متزايد لأولئك الأشخاص الذين يتميزون بالقدرة على حل المشكلات والتعلم السريع وتطوير بيئة العمل على أولئك الذين يملكون الخبرة والمعرفة الأكاديمية. مشكلة ثالثة هي عدم وجود البيئة التي تقلل من الحاجة لبناء التحالفات الشخصية حتى يستطيع الإنسان النمو والتطور في عمله، بل العكس تماما، فمهارتك ''الاجتماعية'' هي أساس في نجاحك في العمل، والشرح السهل لكل تعيين إداري لشخص لا يستحق هذا التعيين، وما أكثر هذه الحالات في كيان المؤسسات العربية. اسأل أي موظف عربي، وستجد الشكوى - في الغالب - لسان حاله، والأمل معدوم أو ضعيف ببيئة عمل مناسبة له، وبمكان يقدر إمكاناته ويعطيه حقه وينمي فيه الحافز للعطاء والإبداع، وعندما ينعدم الأمل، يتحول الموظف سريعا إلى رجل انتهازي كسول ومشروع فساد جاهز للانطلاق في أي وقت تتاح فيه الفرصة. العمل عموما يمثل ثلث حياتنا كساعات عمل، ومعظم اهتمامنا النفسي والذهني، وعندما تعاني نسبة هائلة من العرب الإحباط الحاد من أعمالها فهذا يفسر الكثير من المشكلات النفسية والاجتماعية التي يعانيها العرب. ليس هذا فحسب، بل إن التغيير في أي دولة عربية يحتاج إلى الشركة العربية المميزة، وهذا التغيير مطلوب حتى في الدول المستقرة سياسيا لأن الدول العربية عموما هي دول نامية يفترض أن تسعى حثيثا للحاق بالدول الصناعية. إذا استطعنا بناء الشركة العربية الناجحة فهي ستستطيع النهوض بالدولة وكيانها والانطلاق به في المنافسة العالمية، والعكس صحيح. هذا يعني - من وجهة نظري - أن تطوير دولة خرجت من الثورة مثل مصر أو تونس (ولاحقا اليمن وليبيا وسورية) يتضمن بشكل أساسي تطوير بنية القطاع الخاص وقدرته الإنتاجية والإبداعية لأن هذا القطاع سيستطيع حل المشكلات وتطوير الدولة عموما بما لا يستطيع الكيان السياسي فعله عادة، وهذا أمر مشهود في أوروبا وأمريكا وغيرهما. لا نحتاج إلى ''إسقاط'' النظام الإداري، بل إلى ''تطوير'' الشركة العربية والانطلاق بها نحو آفاق جديدة عن واقعنا الحالي المعروف.
إنشرها