زمن الشفافية

|
لم يعد في زمن الـ ''فيسبوك'' و''التويتر'' أي مجال للعودة إلى الوراء في موضوع الشفافية. فالحكومات التي أدركت ذلك أصبحت تتعامل مع هذه التقنيات كأحد مسلمات العصر التي توجب التكيف معها على جميع المستويات. بل إن كثيرا من الحكومات استطاعت تكييف هذه الخدمات لمصلحتها وحققت بذلك كثيرا من الفوائد، حيث أصبحت هذه التقنيات مصدراً للمعلومة وتقييم السياسات، مما يتيح الفرصة لتعديلها وإعادة النظر فيها لتحقق الأهداف المرجوة. الشفافية أصبحت الآن أكثر إصراراً على البروز على السطح وبشكل ذاتي من خلال ما توفره تقنيات المعلومات من سهولة في الحصول على المعلومة، على الرغم من كل الجهود التي تبذل لإخفائها. إذاً لا مناص من التقدم إلى الأمام وعدم النظر إلى الخلف لكل من يرغب في أن يكون في الصفوف الأمامية من التقدم العلمي والتقني والاقتصادي. الشفافية لها آثار إيجابية اجتماعية واقتصادية على حد سواء، وتسهم في تحقيق عدد من الأهداف في وقت واحد، فهي تجعل من الجميع أداة رقابة فاعلة في يد الحكومة، دون تحمل أي تكلفة تذكر. ومن ثم فإن ذلك سيمكن من حفز المسؤولين إلى العمل بكل جهد للوصول إلى الأهداف التي ترسمها الحكومة لهم. ستسهم الشفافية في تخفيض تكاليف أداء الأعمال والمشاريع، وبالتالي تخفيض التكاليف التي يتحملها دافع الضريبة. سيسهم مزيد من الشفافية في زيادة الكفاءة، وحفز الإنتاجية، وتوزيع الموارد بشكل أفضل، ومن ثم تحفيز النمو الاقتصادي. ستعطي الشفافية فرصاً متساوية للجميع سواءً فيما يتعلق بالفرص الخاصة بالأفراد أو المؤسسات. وأخيراً تسهم الشفافية في إضفاء شعور عام بالعدالة الاجتماعية والمساواة بين الأفراد في المجتمع الواحد، مما يزيد من اللحمة الوطنية بين أفراد الشعب الواحد. وعلى الرغم من التدابير التي تبنتها المملكة للترويج للشفافية ولتعزيزها في كثير من المجالات، إلا أن هناك مسافة طويلة نحتاج إلى قطعها للوصول إلى مستوى مقبول من الشفافية. فهناك ثقافة قديمة ما زالت سائدة في كثير من دوائر القرار الحكومية تقدس موضوع السرية والغموض حتى في أبسط الأمور. وهذا الأمر بالطبع يخلق ممارسات إدارية سيئة سواءً على مستوى القطاع الحكومي الواحد أو فيما بين القطاعات الحكومية المختلفة، أو بين القطاع الحكومي والمتعاملين معه من الأفراد أو المؤسسات. ففي القطاع الحكومي الواحد تصبح المعلومة متاحة لعدد محدود من العاملين في القطاع، ويصبح الولاء للمسؤول معياراً رئيساً للتقدم والترقي في السلم الوظيفي. أضف إلى ذلك ما يؤدي إليه ذلك من كبح للآراء الأخرى، مما يجعل القطاع يسير بمنظور الفرد لا الجماعة، ويجعله أسيراً لوحدانية الفكر والتخطيط. بين القطاعات الحكومية أيضاً سيكون هناك نوع من عدم الانسجام، مما يؤدي إلى مزيد من الأخطاء، والتأخير، وبالتالي التأثير بشكل سلبي على الخدمات العامة التي تقدم للمواطنين، وعلى السياسات العامة للدولة. مع الأفراد والمؤسسات، سيكون هناك عدم وضوح في الحقوق والواجبات، وبالتالي سيكون هناك خلل دائم ومستمر في التعامل مع القطاع الحكومي. وانعدام الشفافية أو ضعفها يهيئ بيئة مناسبة كي ينشأ ويترعرع الفساد. فانخفاض مستوى الشفافية يتيح لضعاف النفوس إدارة أنشطتهم الفاسدة دون خوف من عين الرقيب، وبالتالي فإن ذلك يؤدي إلى نتائج سلبية سواءً على الاقتصاد أو على المجتمع. لذلك، فإن أفضل وأول خطوة يجب أن تركز عليها هيئة مكافحة الفساد التي أمر خادم الحرمين الشريفين بإنشائها هو التركيز على موضوع الشفافية. المشاريع يجب أن تتاح معلوماتها للجميع في آن واحد، كما يجب أن تكون المعلومات عن المنصرف عليها والمنجز منها متاحة أيضاً للجميع. المعلومات عن الفرص الوظيفية في كل جهة حكومية يجب أن تكون أيضاً متاحة للجميع، حيث تعطي فرصا متساوية للجميع للتقدم والمنافسة عليها، وليكون المعيار الأساسي في الحصول على الوظيفة الكفاءة. وإذا ما أرادت هيئة مكافحة الفساد الذهاب إلى أبعد من ذلك، تستطيع فرض قوانين للشفافية خاصة بالمسؤولين الحكوميين، والمتعاملين مع الحكومة من رجال الأعمال والشركات. فرض مستوى عال من الشفافية وحده كفيل بالحد بشكل كبير للنتائج السلبية للفساد ولنتائج سوء الإدارة للموارد العامة على الاقتصاد والمجتمع. مشكلتنا أننا كثيراً ما نقلل من أهمية الشفافية، أو لا نعطيها حقها من البحث والمناقشة والمطالبة كذلك، مع ما يمكن أن تحققه من نتائج إيجابية على كل الأصعدة. فكثير من الكتاب يمارسون عملية الانتقاد البناء لكثير من ممارسات المسؤولين، لكنهم في الوقت نفسه يفشلون في المطالبة بمزيد من الشفافية، مما يضيع كثيرا من فرص الإصلاح. الزمن الآن هو زمن الشفافية، ولو بحثنا لوجدنا في كل جهة ولدى كل مسؤول فرصة أكبر لإتاحة مزيد من المعلومات التي يمكن أن تسهم في تقييم أداء جهته بشكل أكثر موضوعية.
إنشرها