تسجيل دخول
نسيت كلمة المرور |  مستخدم جديد
 
الجمعة 07 شعبان 1432 هـ. الموافق 08 يوليو 2011 العدد 6479
آخر الأخبار
انت الآن تتصفح عدد من الارشيف, نشر قبل 1211 يوم . عودة لعدد اليوم

الكلمة الطيبة: دورها وآثارها

د.خالد صالح الحميدي

ألا تشعر معي أيها القارئ الكريم أن تداول الكلمة الطيبة أصبح نادراً؟ لم تعد الكلمة الطيبة متداولة كما كانت في جيل آبائنا وأجدادنا! ألا توافقني الرأي القائل: إن العولمة، وما أنتجته من ثقافة التوجه المادي البحت، أرْدَتنا نحو سوء الكلام لتحقيق دنيانا؟! فغفونا وأخلدنا، تاركين الحبل على غاربه للكلمة الخبيثة، تهدم أخلاقنا وديننا ودنيانا، وماضي آبائنا وأجدادنا! لماذا؟

الجميع يعلم ما للكلمة الطيبة من دور عظيم في حياة الإنسان وبناء المجتمعات.. وما كان انتشار الإسلام في أصقاع الأرض إلا بالكلمة الطيبة! ونحن نعلم، أن الفرق بين الكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة واضح جلي لكل ذي فطرة سليمة، فهو كالفرق بين الحق والباطل، والفضيلة والرذيلة.. فالكلمة الطيبة تبني وتعمّر، والخبيثة تهدم وتخرّب، الأولى تطبع الحياة بالبياض النقي، والثانية تطبعها بالسواد القاتم!

ألا يجدر بنا أن نعود إلى شافي الصدور، ومهذب الكلام؟ كلام الله – تبارك وتعالى – القائل: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ، تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا، وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ، وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ).. ليس من قبيل المصادفة أن يضرب القرآن مثلاً للكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة، ذات العروق الضاربة في أعماق الأرض، كدليل قوة وثبات، والأغصان الممتدة في السماء، كدليل الاستقامة والسموق والاعتدال، فقد علم الله – جلَّ جلاله - وأحاط بما ستصير إليه الكلمة الطيبة من ندرة وجحود، فيُذكرنا – سبحانه وتعالى - بأن للكلمة الطيبة ثمرا لا يقل أهمية عن الشجرة الطيبة، وآثارها واضحة لا لبس فيها، في الإصلاح والتقريب بين القلوب، وفي بلوغ المرام وقضاء الأوطار والحاجات، والله – جلت قدرته – حين يضرب الأمثال لا يضربها للوحوش والطيور والزواحف، بما هي حيوانات لا تعقل وليست مُكلَّفة، بل يضربها لنا كبشر مُكَلَّفين بالكلمة الطيبة، مبيّناً لنا ما لها من أثر عظيم: (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ، ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ، وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ)، لا بل، أمرنا الله: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا).

فالكلمة الطيبة عامل مهم في بناء أخلاق العباد، لا بل دليل على قوة الإيمان! ففي الحديث: ''مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ'' (مسلم)، وقال – صلى الله عليه وسلم: ''إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ'' (البخاري)، فبالكلمة الطيبة يسود حُسن التفاهم بين الناس، محل الخلاف والشقاق، وهل بغير تقوى الله والكلمة الطيبة تصلح الأعمال وتُسدَّد الخُطى؟ وإن افتقر الإنسان للكلمة الطيبة فليصمت خيراً له! فعن معاذ، رضي الله عنه، قال: يا رسول الله أخبرني بعملٍ يدخلني الجنة؟ قال: ''كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا''، وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ (البخاري).

حتى العِتاب، وما فيه من وقع المرارة في النفس، وهذا أمر طبيعي وبديهي، يجب أن يكون بالكلمة الطيبة، حتى يكون بنَّاءً ذا قيمة ونفع.. ولا يكون كذلك بالكلمات المؤذية، بل بأجمل العبارات وأحسنها، فتتقبلها النفس وتأخذ بها، ما دامت عاقلة مؤمنة.

إن ما يجري اليوم في العالم من خصومات وعداوات، إن كان على الصعيد الداخلي للشعوب، وحتى على صعيد الأُسر، والأقارب، وبين الأفراد فيما بينهم، أو على صعيد العلاقات بين الدول، وبين الشعوب فيما بينها، ليس إلا محصلة لشح ربيع الكلمة الطيبة، التي لو اضطلعت بدورها، لما بلغت الضراوة والقسوة، في التعامل بين الناس والشعوب، ما بلغته!

علينا أن نخمد ذاك الأفق الملتهب بنار العداوة، وحطبها الكلمة الخبيثة، في سبيل الحفاظ على جو صالح للحياة، من السلام والوئام، بيننا وبين أنفسنا، وبيننا وبين أهلينا وجيراننا وأصحابنا، وحتى مع من خالفنا! فالكلمة الطيبة هي الركيزة الحية، والأساس القوي الذي ينبغي أن يُقام عليه صرح الحياة الشامخ، وبدونها لا يمكن للحياة أن تستمر وتتقدم، ولا للإيمان أن يترسخ، ولا للأمن أن يستتب.


حفظ طباعة تعليق إرسال
مواضيع ذات علاقة

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الاقتصادية ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر. علماً أننا لا ننشر التعليقات بغير اللغة العربية.

4 تعليقات

  1. كلمة الرفق تعبير أفضل عن فكرتك (1) 2011-07-08 10:44:00

    الكلمة الطيبة صدقة ... لكنّي أعتقد أنك تقصد أن الرفق ما كان في شيء إلا زانه؟!

    -1
  2. عبدالله محمد بن نصار (مسجل) (2) 2011-07-08 13:05:00

    اقتباس
    بالكلمة الطيبة يسود حُسن التفاهم بين الناس، محل الخلاف والشقاق، وهل بغير تقوى الله والكلمة الطيبة تصلح الأعمال وتُسدَّد الخُطى؟ وإن افتقر الإنسان للكلمة الطيبة فليصمت خيراً له!
    حتى العِتاب، وما فيه من وقع المرارة في النفس، وهذا أمر طبيعي وبديهي، يجب أن يكون بالكلمة الطيبة، حتى يكون بنَّاءً ذا قيمة ونفع..
    الخصومات والعداوات محصلة لشح ربيع الكلمة الطيبة، التي لو اضطلعت بدورها، لما بلغت الضراوة والقسوة، في التعامل بين الناس والشعوب، ما بلغته!
    الكلمة الطيبة هي الركيزة الحية.
    (شكراً ))

    -1
  3. محسن بن عمر العتيبي (مسجل) (3) 2011-07-08 16:47:00

    الحسن فى صفاء صدق محلقا...
    والنبض المغرد على الربيع الأبدي...
    خلقت للمحبين وشاهد معلقا...
    يا كلمة الطيب طريب صوت الحادي...

    -1
  4. المجتمع (4) 2011-07-09 00:29:00

    تعجبني كتاباتك... فهي في العمق فعلا... وتلامس حاجات المجتمع ..
    اشكرك على هذا الاتقان فكرة واسلوبا
    فنحن بحاجة لمثل هذه المقالات البناءة بحق
    وشكرا للاقتصادية لانها احتوت كاتبا مميزا

    -1
التعليق مقفل

السيرة الذاتية

aboomohdk@hotmail.com

خلاصات الــ RSS

أرشيف المقالات

ابحث في مقالات د.خالد صالح الحميدي