مخاطر تخفيض قيمة العملة

أ.د. محمد إبراهيم السقا
Al_sgaa
قدمنا في الأسبوع الماضي خلفية نظرية عن موضوع تخفيض قيمة العملة وأشكاله وآثاره المختلفة؛ تمهيدا لتحليل آثار الدعوة إلى ترك الجنيه المصري ينخفض وفقا لضغوط سوق النقد الأجنبي، وهي، من وجهة نظري، دعوة تواجه العديد من المخاطر، خصوصا في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها مصر حاليا في أعقاب ثورة 25 يناير. الدعوة إلى السماح بخفض قيمة الجنيه ربما تستند إلى عدد من الحجج، أهمها الرغبة في زيادة الصادرات وتقليص الواردات، ومن ثم تحسين وضع الميزان التجاري، وتشجيع السياحة وتشجيع الاستثمارات الأجنبية في التدفق إلى الاقتصاد المصري، وبالتالي تخفيف الضغوط في سوق النقد الأجنبي، وهي حجج سوف أتناولها جميعا في هذا المقال؛ لنحاول أن نحدد المخاطر التي تحيط بعملية تخفيض قيمة الجنيه في مصر. أولا: هل يؤدي تخفيض قيمة الجنيه المصري إلى تحسين موقف الميزان التجاري؟ في حلقة الأسبوع الماضي أشرنا إلى أن نجاح عملية تخفيض قيمة عملة الدولة في تحسين موقف ميزانها التجاري يرتبط بشروط ارتفاع مرونات الطلب السعرية لكل من الصادرات والواردات، فضلا عن ضرورة أن يصاحب ذلك ارتفاع قدرة العرض المحلي من السلع على الاستجابة للتزايد في الطلب على الصادرات مع تخفيض قيمة العملة، فهل هذه الشروط تتوافر للاقتصاد المصري؟ الشكل رقم (1) يوضح تطور معدل صرف الجنيه المصري بالنسبة للدولار (عدد الجنيهات اللازمة لشراء دولار أمريكي واحد، الارتفاع يعني انخفاض قيمة الجنيه بالنسبة للدولار)، وكذلك تطور صادرات وواردات مصر (بملايين الدولارات الأمريكية) خلال الفترة من 1977 حتى 2009. ومن الشكل (1) نلاحظ أن استجابة الصادرات لتخفيض قيمة الجنيه تعد محدودة جدا، وأن التخفيضات الجوهرية للجنيه المصري في 1979 و1989 - 1991 و2001 - 2003 لم يصاحبها تطور يذكر في نمو الصادرات، ويمكن أن يعزى نمو الصادرات في السنوات الأخيرة إلى ارتفاع أسعار المواد الهيدروكربونية (النفط والغاز)؛ وهو ما أدى إلى ارتفاع إيرادات الصادرات من هذه المنتجات، وليس نتيجة انخفاض قيمة الجنيه. من ناحية أخرى يلاحظ من الشكل أن ضعف الجنيه لن يؤدي إلى النتيجة التي يتوقعها المراقبون بالنسبة للواردات؛ إذ يلاحظ ضعف استجابة الواردات بصورة واضحة لتخفيض قيمة الجنيه المصري، وأن العكس هو المتوقع، حيث سترتفع قيمة فاتورة الواردات (بالجنيه المصري)، وهي مشكلة كبيرة بالنسبة لدولة مثل مصر تستورد جانبا كبيرا من المدخلات من المواد الخام والسلع الوسيطة اللازمة لعمليات الإنتاج، ومعظم السلع الرأسمالية من الخارج، وهو ما يعني أن خفض قيمة العملة لا محالة سيؤدي إلى ارتفاع تكلفة الإنتاج وارتفاع أسعار السلع المنتجة محليا من جانب، فضلا عن ارتفاع أسعار السلع النهائية المستوردة من الخارج من جانب آخر. محصلة ما تقدم هو أن تخفيض قيمة الجنيه لن يؤدي إلى تحسين وضع الميزان التجاري بقدر ما ستؤدي إلى المزيد من التضخم في الأسعار. ثانيا: هل يؤدي تخفيض قيمة الجنيه المصري إلى تشجيع السياحة؟ يفترض من الناحية النظرية أن تخفيض قيمة الجنيه سيترتب عليه ارتفاع القوة الشرائية للزائرين لمصر، غير أن هذه المكاسب في القوة الشرائية لعملاتهم يمكن أن تتلاشى مع الارتفاعات المتوقعة في معدل التضخم، خصوصا وأن التجربة السابقة تشير إلى أن أثر تخفيض قيمة الجنيه على معدل التضخم كان مرتفعا، وهو ما يعني أن الأثر الصافي لتخفيض قيمة الجنيه على القوة الشرائية للإنفاق الذي يقوم به السائح ليس كما هو متوقع. من ناحية أخرى، فإن مصر، للأسف الشديد، على الرغم من امتلاكها أكبر مخزون في العالم من آثار العالم القديم، وشواطئها الطويلة جدا على سواحل البحر الأحمر والمتوسط، ومناخها المعتدل نسبيا، خصوصا في الشتاء، إلا أنها ليست مصنفة بين الدول ذات الجذب السياحي على المستوى العالمي، وأداء مصر في هذا الجانب يعد متواضعا للغاية بالنظر إلى الإمكانات الضخمة الكامنة فيها. على سبيل المثال تظهر تقارير المنتدى الاقتصادي العالمي عن السفر والسياحة، التي يصدرها بشكل سنوي، أن الترتيب الدولي لمصر في المؤشر العالمي للسفر والسياحة يعد متواضعا، بل ربما يدهش البعض إذا علم أنه وفقا للتقرير الأخير في 2011 فإنه، فيما عدا الكويت، فإن دول مجلس التعاون تحتل ترتيبا دوليا أفضل من مصر في هذا المؤشر، حيث تحتل الإمارات المركز 30، والبحرين 40، وقطر 42، وعمان 61، والمملكة العربية السعودية 62، بينما تحتل مصر المركز الـ 75، وأخيرا الكويت 95، وذلك من بين 139 دولة يشملها التقرير. ويرجع هذا الترتيب المتواضع إلى ضعف ترتيب مصر في المؤشرات الفرعية التي يقوم عليها هذا المؤشر، ففي المؤشر الفرعي الخاص بالأطر التنظيمية تحتل مصر المركز الـ 70، وفي المؤشر الفرعي الخاص ببيئة الأعمال والبنية التحتية تحتل المركز الـ 74، وأخيرا في المؤشر الفرعي الخاص بالموارد البشرية والثقافية والطبيعية تحتل المركز الـ 71 عالميا. من الواضح أنه ينظر في مصر إلى الخدمة السياحية على أنها مجرد آثار أو شواطئ أو أماكن للتنزه، متناسين أن السياحة هي في الأصل برامج وحزم مصممة بعناية شديدة وخدمات سياحية على أعلى مستوى وخدمات لوجستية فائقة وبنية تحتية راقية، والأهم ثقافة تعامل مع السائح كما يجب أن يعامل به بقوة بشرية مدربة جيدا في هذا المجال، وجميع هذه المقومات تفتقدها مصر حاليا إلى حد كبير. المنتج السياحي لا يحتاج إلى تخفيض قيمة الجنيه بقدر ما يحتاج إلى تطوير جوهري في محتواه ومكوناته وبيئته. مصر في حاجة إلى استراتيجية سياحية جديدة تركز أساسا على خدمة السائح وتقديم أفضل منتج سياحي عالمي في هذا المجال، مستعينة ببيوت الخبرة المتخصصة، ونشر الوعي بين المتعاملين مع السياح والمواطنين بأهمية السائح لمصر وكيفية الاهتمام به. وأخيرا، لا بد من الإشارة إلى أن جانبا كبيرا من زوار مصر هم من الإخوة العرب الذين يفضلون قضاء عطلتهم فيها بدلا من الذهاب إلى غيرها؛ لأسباب عديدة، وهؤلاء سيتدفقون على مصر بغض النظر عن قيمة الجنيه. الخلاصة، إن تشجيع السياحة لا يرتبط بقيمة العملة، وأن الحجة على الرغم من منطقيتها تبدو خاطئة، فدول العالم التي تستقطب أكبر قدر من السياح ليست دولا رخيصة التكلفة بالنسبة للسائحين كما يعتقد، على سبيل المثال تعد لندن من أغلى مدن العالم ومع ذلك هي أكثر مناطق الجذب السياحي في العالم؛ لأن السياحة يخطط لها بعناية. ثالثا: هل يؤدي تخفيض قيمة العملة إلى جذب الاستثمار الأجنبي؟ هناك كم كبير من الكتابات الاقتصادية حول العوامل المحددة لتدفقات للاستثمار الأجنبي المباشر في دول العالم، غير أن الدلائل التطبيقية التي تقدمها تلك الدراسات تشير إلى اهتمام الاستثمار الأجنبي المباشر بصفة أساسية بعوامل مثل حجم السوق والقوة الشرائية فيه ونوعية بيئة الأعمال واستقرار القوانين ومستويات الضرائب، وغير ذلك من العوامل التي تلعب دورا حاسما في هذه التدفقات، أما بالنسبة لتخفيض قيمة العملة، فإنه يخلق ميزة للشركات الأجنبية، حيث تصبح تكاليف الإنتاج، بصفة خاصة الأجور، رخيصة نسبيا في الدولة التي حدث فيها التخفيض، هذا طبعا بشرط ألا يترتب على التخفيض ارتفاع الضغوط التضخمية، غير أنه من ناحية أخرى، يلعب استقرار معدل الصرف الأجنبي دورا مهما أيضا في هذه التدفقات، وكلما ارتفعت درجة عدم استقرار معدل الصرف كلما ازدادت درجة عدم التأكد المصاحبة لقرار الاستثمار، وهو ما يؤثر بصورة سلبية على تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر. #2# وأخيرا، هل هناك من آثار جانبية أخرى لتخفيض الجنيه؟ الإجابة هي نعم، هناك العديد من الآثار الأخرى لمثل هذا القرار، أهمها أن التجارب السابقة في تخفيض قيمة الجنيه قد انتهت جميعها بارتفاع معدل التضخم، وهو أهم الآثار السلبية المتوقعة لمثل هذا القرار، والتي ستمس بالتأكيد رجل الشارع، بصفة خاصة مع الاتجاه العالمي لارتفاع أسعار السلع الغذائية الأساسية حاليا، ومن ثم فإن الدول التي تستورد الغذاء من الخارج مثل مصر عندما تخفض قيمة عملتها فإنها تضيف مزيدا من الزيت على نار التضخم. ويوضح الشكل رقم (2) تطورات معدل الصرف ومعدل التضخم في مصر، ويلاحظ من الشكل أن تخفيضات قيمة الجنيه صاحبها ضغوط تضخمية، وإن كان هناك فترات تأخير للأثر. من ناحية أخرى، فإنه كلما ازدادت الآثار التضخمية الناجمة عن التخفيض في قيمة العملة قل الأثر التصحيحي للتخفيض على الميزان التجاري. كذلك، فإن الإعلان عن النية في التخفيض سيدفع بالعديد من المضاربين في مصر والخارج إلى المضاربة على الجنيه، وهو ما سيرفع قيمة الدولار في السوق المصري ويؤدي إلى تدهور قيمته حتى قبل أن تتم عملية التخفيض بالفعل، ومما لا شك فيه أن مثل هذه المضاربات الضارة ستحدث آثارا سلبية في سوق النقد الأجنبي. وأخيرا، فإنه من المتوقع مع تخفيض قيمة الجنيه ضعف الإقبال على الاحتفاظ بالمودعات بالعملة المحلية؛ نظرا لتراجع قيمتها مع التخفيض التدريجي لقيمة الجنيه، وتزايد الإقبال على المودعات بالعملات الأجنبية مثل الدولار واليورو، وهو ما يطلق عليه إحلال العملة، الأمر الذي سيلقي بضغوط إضافية على معدل الصرف مع تزايد الطلب على عمليات إحلال العملة والتخلص من المودعات بالجنيه المصري. الخلاصة، ليس من المتوقع أن يترتب على تخفيض قيمة الجنيه تحسن وضع الميزان التجاري المصري، كما أن التخفيض ليس هو السياسة المناسبة لزيادة الإيرادات السياحية، ولا تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وأن العوائد المرتقبة من عملية تخفيض قيمة الجنيه لا تقارن بالمخاطر المصاحبة له، بصفة خاصة آثار عملية التخفيض على ارتفاع الضغوط التضخمية في الداخل وهو آخر ما تتمنى مصر أن تواجهه في ظروفها الحالية، حيث تتراجع القوة الشرائية للدخول مما يعقّد من مشكلة المطالب الفئوية التي تندلع من وقت إلى آخر في مصر مسببة تعطيل جهاز الإنتاج.
إنشرها