سيرة حياته .. من القرش إلى المليار

لم يكن يستنكف من عمل ما لم يكن حراما، وكان يرى أن هذه الأعمال تكفيه عن الناس. وما كانت هذه الأعمال الشاقة لتصرفه عن الصلاة على وقتها، وقراءة القرآن، والصلاة بالناس في بعض الأحايين، بل ما سمع النداء إلا انصرف عن عمله على بيت الله يؤمه خاضعا خاشعا محبا للعبادة. هذا مقطع من بداية كتاب أكثر من 300 صفحة تؤرخ سيرة حياة الشيخ صالح الراجحي يرويها ثلاثة مؤلفين، هم: الدكتور سليمان الميمان وأيمن الحنيحن والدكتورة سلوى بهكلي. من هنا البداية..! قام الصغير صالح بن عبد العزيز الراجحي يمسح التنوم عن عينيه، وقد اقترب موعد صلاة الفجر، فقام لوضوء، وتهيأ للقيام، فسجد على عتبة الافتقار لله رب العالمين في محراب الليل يناجي ربه، سائلا إياه التوفيق، ثم ما لبث أن تجهز لصلاة الصبح في المسجد، وبعد أن أتم الفريضة توجه إلى السوق. كانت سن الغلام الصغير 13 سنة أو 14 سنة في ذاك الوقت. شاب صغير ينزل إلى ميدان العمل وحيدا إلا من ثقته بربه، متوكلا عليه، لائذا به، وقد اعتذر عن الاستمرار في العمل في البناء مع والده، ولم يكن له شيء من أسباب الدنيا إلا قليلا من قليل! فطرقت الحيرة قلبه وعقله وحانت من عينيه التفاتة إلى ما حوله - وقد أقامت المجاعة في تلك الأيام خيمة صفراء حول القرية - فلم يجد إلا بعض الأشياء الصغيرة في منزل الأسرة، فتردد في أخذها، لكن الحاجة ألجأته إلى أخذها والذهاب بها إلى السوق، فلم يكن يضيره أن يبدأ صغيرا، أو أن ينطلق ضعيفا، فليست العبرة بنقص البداية، لكن العبرة بتمام النهاية. وكانت البداية في المقيبرة بجوار سوق الملابس، ووقف الشاب الصغير يبيع بعض الأقفال والمفاتيح، و(الخردوات) البسيطة من الصباح حتى المساء، فتحصل في نهاية يومه على سبعة قروش أو ستة! ورجع إلى البيت حاملا هذه الغنيمة الشاحبة، مفكرا فيما عساها تفعله هذه القروش القليلة للشاب الصغير وهو يريد سداد إيجار البيت! والوالد قد تباعد عن الدار، وكثيرا ما تغيب الوالد - رحمه الله - عن البيت شهرا أو اثنين للعمل أو الحج، ولم يكن يترك لهم ما يكفي المعيشة، لكنه كان يطمئن إلى حكمة ابنه صالح في رعاية إخوانه وآل بيته. وكان الصغير صالح في هذه الآونة بارعا في لعبة الكعابة، وهي لعبة من كعاب الخروف معروفة عند أهل الرياض، يجلس مع صبيان الحي يلاعبهم، ويكسب بمهارته الكثير منها. وفي يوم من الأيام رجع إلى بيته فوجد أمه تبكي، فارتاع الصغير لذلك، وسألها عن سبب بكائها، فقالت له: يا ولد، إن صاحب البيت يريد طردنا منه؛ لأننا لم ندفع الإيجار، ووالدك مسافر وليس لنا أحد يدفع الإيجار! فقام الصغير بهمته العالية، وهداه الله رب العالمين إلى أن يتوجه في اليوم التالي إلى السوق، ولكن هذه المرة للشراء، فوجد امرأة جالسة تبيع (الزنابيل)، فأتى إليها فقال: أريد زنبيلا، وليس معي نقود. فقالت له: أنا لا أعطيك إلا برهن. فأعطاها الكعابة رهنا، وذهب إلى ميدان العمل الفسيح، وليس معه من حطام الدنيا إلا زنبيل يحمله في يده، فكان إذا رأى رجلا ثوبه أبيض، أو يلبس مشلحا، يقول له: يا عم خليني أحمل. يريد أن يجد لنفسه سبيلا إلى العمل، وكأنما كان يوسع في نفسه معنى الجلد والمثابرة، حاملا أعباء الحياة الدنيا؛ حتى لا يستخفه شيء من زخرفها إذا ما اتسعت أمامه متبرجة بزينتها وأضوائها. فكان يحمل اللحم والبطيخ والخُضراوات للناس بريال ونصف في اليوم، وكان راضيا صابرا متوكلا على الله سبحانه، محتملا في سبيل الرزق الحلال الصعب فما فوقه. ومن صور الاحتمال لمشاق العمل: أنه في يوم من الأيام كان يحمل كبدا على كتفه لأحد عبيد الشيوخ، وإذا بدم الكبد يسيل على ثوبه الذي لا يملك غيره، فتألمت نفسه، وفاضت عيناه لهذا المصاب الفادح في ثوبه الوحيد.. فعطف عليه الرجل، وقال له: ماذا تفضل: أعطيك نصف ريال أو أغسل لك ثوبك؟ فقال له صالح: بل أعطني نصف الريال، وأنا أغسل ثوبي. فاختبأ عن العيون، وغمس ثوبه في الماء يغسله، وكانوا في ذاك الزمان إذا لم يجدوا صابونا غسلوا الثياب بالتراب. ولكن زمن الجفاف يؤذيه في عمله؛ لأن الوقت سيضيع عليه، ويذهب اليوم هباء بلا فائدة! وهو من أشد الناس ضنا بوقته، فما كان منه إلا أن أخذ ثوبه المبلل وعلقه، وهرول به ها هنا وها هنا حتى تجففه حرارة الشمس، وأنفاس الهواء، ثم لبسه، وبهذا ضمن حفظ الوقت عليه. وهكذا هي النفوس العظيمة لا تكسرها المصائب وإن عظمت؛ لأن في أعماقها إيمانا يمدها بالزاد، ويرفدها بالعزم، فكأنما إذا ألمت به المصيبة سقطت معانيها قبل أن تصل إلى قلبه، فإذا أصابته كانت فارغة عن أهوالها، فلم تجد عنده مكانا تستقر فيه، أو ملاذا تأوي إليه؛ لأنها تمس منه ظاهرا ساكنا، لا يضره ما كان منها، وإن تندت عينه بدمعة خفية. فلما جمع قيمة الإيجار.. شكت فيه أمه وخافت عليه، وسألته عن مصدر المال، فلم يجبها وأرشدها إلى صاحبة الزنبيل، فذهبت أمه إليها، وسألتها عن خبر ابنها صالح، فقالت لها: ولدك هذا ولد صالح، إنه كان من أمره كذا وكذا. واشترت منه صاحبة الزنبيل الكعابة التي تركها رهنا عندها، فكسب بذلك مرتين؛ مرة من عمله حمالا، ومرة الكعابة التي جمعها. وما كان صالح يكتفي بهذا العمل - وإن كان شاقا - فقد كانت الجمال المحملة بالحطب إذا دخلت الديرة - أيام كانت الرياض مكونة من الديرة ودخنة - يتطاير منها بعض هذا الحطب، ويتساقط بعد أن تركه أصحابه في الأرض؛ لعدم قيمته، فيقوم صالح وإخوانه بجمع ذلك الحطب في بيت يستأجرونه بربع ريال أو بنصف ريال، وكلما تجمع لديهم قدر مناسب من الحطب باعوه، كما كانوا يجمعون روث الإبل ويبيعونه وقودا. لم يكن يستنكف من عمل ما لم يكن حراما، وكان يرى أن هذه الأعمال تكفيه عن الناس وما توجبه الحاجة إليهم من الخضوع لهم، والتقيد بهم. في عالم الأموال وتمر الأيام ويزداد العمل، ويتجمع لديه قدر من المال، ويبدو لصالح أن يصرف جهده إلى الصرافة، وكان العاملون بها قلة معروفة من أهل المملكة، والأعمال يومئذ مقسمة بين التجارة في القماش، أو الصرافة، أو ما دون ذلك من حمل الأمتعة وغيرها. وكان عمر الفتى صالح إذ ذاك قرابة 16 سنة، وكان الناس في فقر إلا القليل منهم، فالحياة بسيطة هادئة، والدكاكين ضيقة، والبيوت من الطين، فذهب ليتدرب عند قريبين له، هما عبد الله بن ناصر الراجحي، وسليمان بن عبد الله الراجحي، وكانا يشتغلان في الصرافة، فجاء ببساطه ومده في صف الدكاكين في الصفاة أمام الجامع الكبير. وكان هذا فتحا من الله تبارك وتعالى على التاجر الصغير صالح الراجحي، فقد أنعم الله عليه، وتعلم أمور الصرافة في زمن وجيز؛ الأمر الذي مكنه من تأسيس وبناء مؤسسة تجارية عملاقة أدت في النهاية إلى المشاركة في تأسيس مصرف الراجحي.
إنشرها

أضف تعليق